إذ كان من حقه أن يشترى لنفسه ويشاور (١) من يعلم أو يوكله ، وإذا رددناه فلأنّه من أكل المال بالباطل ؛ إذ ليس تبرعا ولا معاوضة ؛ فإنّ المعاوضة عند الناس لا تخرج إلى هذا التفاوت ، وإنما هو من باب الخلابة ، والخلابة ممنوعة شرعا مع ضعفها كالغلابة ـ وهو الغصب ، ممنوعة شرعا مع قوتها (٢) ، وتدخل تحت قوله صلّى الله عليه وسلّم : لا ضرر ولا ضرار. ألا ترى أن تلقّى الركبان يتعلق به الخيار عند تبيّن الحال ، وهو من هذا الباب ، وقد قرّرناه قبل هذا في موضعين ، فلنجمع الكلام على الآية فيها كلّها.
المسألة السادسة ـ قال عكرمة والحسن البصري وغيرهما : خرج عن هذه الآية التبرّعات كلها ، وإنما جوّز الشرع التجارة وبقي غيرها على مقتضى النهى حتى نسخها قوله(٣) : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا) ... ؛ وهذا ضعيف جدا ؛ فإنّ الآية لم تقتض تحريم التبرعات ؛ وإنما اقتضت تحريم المعاوضة الفاسدة ؛ وقد بينا ذلك في القسم الثاني من الناسخ والمنسوخ.
المسألة السابعة ـ قوله تعالى : (عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) :
وهو حرف أشكل على العلماء حتى اضطربت فيه آراؤهم :
قال بعضهم : التراضي هو التخاير بعد عقد البيع قبل الافتراق من المجلس ، وبه قال ابن عمر وأبو هريرة وشريح والشعبي وابن سيرين والشافعى ، وتعلّقوا بحديث ابن عمر وغيره (٤) : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلّا بيع الخيار.
وقال آخرون : إذا تواجبا بالقول فقد تراضيا ، يروى عن عمر وغيره ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والصحابة.
واختار الطبري أن يكون تأويل الآية : إلا تجارة تعاقدتموها وافترقتم بأبدانكم عن تراض منكم فيها ؛ وهذه دعوى إنما يدلّ مطلق الآية على التجارة على الرضا ، وذلك ينقضي بالعقد ، وينقطع بالتواجب ، وبقاء التخاير في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقا ولا تنبيها ، وكلّ آية وردت في ذكر البيع والشراء والمدينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس
__________________
(١) في ا : وليشاور.
(٢) في ل : مع قوته.
(٣) سورة النور ، آية ٦١
(٤) صحيح مسلم : ١١٦٣ ، وفيه : البيعان.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
