مقمرة قال : فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلّى بجنب الحائط ، فلما انتهت إلىّ عرفتني ، فقالت : مرثد! فقلت : مرثد. فقالت : مرحبا وأهلا ، هلمّ فبت عندنا الليلة. قال : قلت: باعناق ، حرّم الله الزنا ، قالت : يأهل الخيام ، هذا الرجل يحمل أسراكم ... وذكر الحديث. قال : حتى قدمت المدينة فقلت : يا رسول الله ، أأنكح عناق؟ فأمسك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يردّ علىّ شيئا ، فنزلت (١) : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) ... الآية. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : يا مرثد ، الزاني لا ينكح ... وقرأها إلى آخرها ، وقال له : فلا تنكحها.
فأما من قال : إنها نزلت في بغايا معلومات فكلام صحيح.
وأما من قال : إنّ معناه الزاني لا يزنى إلا زانية فما أصاب فيه غيره ، وهي من علوم القرآن المأثورة عن معلمه المعظم ابن عباس.
وأما من قال : لا ينكح المحدود إلا محدودة ، وهو الحسن ، يريد أنّ معنى الآية : الزانية التي تبيّن زناها ، ويصحّ أن يخبر عنها به ؛ وذلك لا يكون إلا فيمن نفذ عليه الحدّ ؛ وقبيل نفوذ الحدّ هي محصنة يحدّ قاذفها ، وهو الذي منع من نكاحها ومعه نتكلم وعليه نحتج. وإذا قال القائل : إنّ معناه إذا زنى بامرأة فلا يتزوجها فيشبه أن يكون قولا ، لكن مخرجه ما قدمناه من أنّ تحريم ذلك إنما يكون قبل الاستبراء ، وتكون الآية مسوقة لبيان أنه لا يسترسل على المياه الفاسدة بالنكاح إلّا زان أو مشرك كما سبق ، أو يكون معناه ما اختاره عالم القرآن ؛ قال : المراد بالنكاح الوطء ، والآية نزلت في البغايا المشركات ؛ والدليل عليه أنّ الزانية من المسلمات حرام على المشرك ، وأنّ الزاني من المسلمين حرام عليه المشركات ، فمعنى الآية أنّ الزاني لا يزنى إلا بزانية لا تستحلّ الزنا أو بمشركة تستحله ، والزانية لا يزنى بها إلّا زان لا يستحل الزنا أو مشرك يستحله.
وأما من قال : إنّ الآية منسوخة فما فهم النسخ ؛ إذ بيّنا أنه لا يكون إلا بين الآيتين المتعارضتين من كل وجه ؛ بل الآية التي احتجّ بها عاضدة لهذه الآية وموافقة لها ؛ لأنّ الله تعالى حرّم نكاح الزناة (٢) والزواني ، وأمر بنكاح الصالحات والصالحين.
__________________
(١) سورة النور ، آية ٣
(٢) في ل : الزانية والزاني.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
