وقال أبو حنيفة والشافعى : يجوز نكاحها اليوم لمن زنى بها البارحة ، ولمن لم يزن بها مع شغل رحمها بالماء ، فهذه هي الزانية التي حرّم الله نكاحها ؛ فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره. وثبت عنه أنه قال : لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائل حتى تحيض في وطء ونسب ليس لهما حرمة. وذلك في وطء الكفّار ؛ لكن إن لم يكن للماء المستقرّ في الرحم حرمة فللماء الوارد عليه حرمة ، فكيف يمتزج ماء محترم بماء غير محترم ، وفي ذلك خلط الأنساب الصحيحة بالمياه الفاسدة.
وأما قوله : الزاني لا ينكح إلا زانية ، فهي آية مشكلة ، اختلف فيها السلف قديما وحديثا ، والمتحصّل فيها أربعة أقوال :
الأول ـ أنه روى عن عبد الله بن عمر أنّ رجلا من المسلمين استأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في نكاح امرأة كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه ، وكذلك كنّ نساء معلومات يفعلن ذلك فيتزوجن الرجل من فقراء المسلمين لتنفق المرأة منهن عليه ، فنهاهم الله عن ذلك.
الثاني ـ قال ابن عباس ونحوه عن قتادة ومجاهد عن بغايا كن ينصبن على أبوابهن كراية البيطار ، وكانت بيوتهن تسمّى المواخير ، لا يدخل إليهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك ، فحرّم الله ذلك على المؤمنين.
الثالث ـ قال سعيد بن جبير : لا يزنى الزاني إلا بزانية مثله أو مشركة ، ونحوه عن عكرمة.
الرابع ـ قال سعيد بن المسيّب : نسخها قوله (١) : (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ). وقال أنس : من أيامى المسلمين.
وقد أكّد رواية ابن عمر ما رواه الترمذي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يقال له مرثد بن أبى مرثد ، وكان رجل يحمل الأسرى من مكّة حتى يأتى بهم المدينة. قال : وكانت امرأة بغىّ بمكة يقال لها عناق ، وكان صديقا لها ، وإنه واعد رجلا من أسرى مكة يحمله. قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظلّ حائط من حوائط مكة في ليلة
__________________
(١) سورة النور ، آية ٣٢
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
