الرابع ـ أنّ المعروف شربه اللبن وركوبه الظهر غير مضرّ بنسل ولا ناهك في جلب.
قال ابن العربي : أما من قال : إنه منسوخ فهو بعيد ، لا أرضاه ؛ لأن الله تعالى يقول : (فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) ، وهو الجائز الحسن ؛ وقال : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) فكيف ينسخ الظلم المعروف؟ بل هو تأكيد له في التجويز ؛ لأنه خارج عنه مغاير له ؛ وإذا كان المباح غير المحظور لم يصحّ دعوى نسخ فيه. وهذا أبين من الإطناب.
وأما من قال : إن المراد به اليتيم فلا يصحّ لوجهين :
أحدهما ـ أنّ الخطاب لا يصلح أن يكون له ؛ لأنه غير مكلف ولا مأمور بشيء من ذلك.
الثاني ـ أنه إن كان غنيا أو فقيرا إنما يأكل بالمعروف ؛ فسقط هذا.
وأما من قال : إنّ الولي إن كان غنيا عفّ وإن كان فقيرا أكل فهو قول عمر ؛ روى عنه أنه قال : إنما أنا في بيت المال كولىّ اليتيم إن استغنيت تركت ، وإن احتجت أكلت ؛ وبه أقول.
وأما استثناء اللبن ، ومثله التمر ، فهو على قول مالك ؛ لقول ابن عباس : اشرب غير مضرّ بنسل ولا ناهك للحلب ؛ ولأنّ شرب اللبن من الضرع ؛ وأكل التمر من الجذوع أمر متعارف بين الخلق متسامح فيه.
فإن أكل هل يقضى؟ اختلف الناس فيه ؛ فروى عن عمر أنه قال : إن أكلت قضيت. واختلف في ذلك قول عكرمة ؛ وهو قول عبيدة السلماني وأبى العالية ، وهو أحد قولي ابن عباس.
فأمّا من نفى القضاء فاحتجّ بأنّ الأكل له ، كما أنّ النظر عليه ؛ فجرى مجرى الأجرة.
وأما من يرى القضاء فاحتجّ بقوله سبحانه : (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) فمنع منه ، فإن فعل قضى. ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ، أى بقدر الحاجة ، ويقضى كما يقضى المضطر إلى المال في المخمصة.
قال عبيدة السلماني ـ في قول الله سبحانه : (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) : ذلك دليل على وجوب القضاء على من أكل.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
