أو لا أب له ؛ فإن كان له أب فما عنده من غلبة الحنوّ وعظيم الشفقة يغنى عن الوصية به والاهتبال (١) بأمره.
فأما الذي لا أب له فخصّ بالتنبيه على أمره لذلك والوصية به ، وإلّا فكذلك يفعل الأب بولده الصغار أو الضعفاء فإنه يبتليهم ويختبر أحوالهم.
المسألة الرابعة ـ في كيفية الابتلاء ، وهو بوجهين :
أحدهما ـ يتأمّل أخلاق يتيمه ، ويستمع إلى أغراضه ، فيحصل له العلم بنجابته ، والمعرفة بالسعي في مصالحه ، وضبط ماله ، أو الإهمال لذلك ؛ فإذا توسّم الخير قال علماؤنا : لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله ، وهو الثاني ، ويكون يسيرا ، ويبيح له التصرف فيه ؛ فإن نمّاه وأحسن (٢) النظر فيه فقد وقع الاختيار ، فليسلّم إليه ماله جميعه ، وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنه.
المسألة الخامسة ـ قوله تعالى : (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ).
يعنى القدرة على الوطء ، وذلك في الذكور بالاحتلام ، فإن عدم فالسنّ ، وذلك خمس عشرة سنة في رواية ، وثماني عشرة في أخرى.
وقد ثبت في الصحيح (٣) أنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ردّ ابن عمر في أحد ابن أربع عشرة سنة ، وجوّزه في الخندق ابن خمس عشرة سنة ، وقضى بذلك عمر بن عبد العزيز ، واختاره الشافعى وغيره.
قال علماؤنا : إنما كان ذلك نظرا إلى إطاقة القتال لا إلى الاحتلام ، فإن لم يكن هذا دليلا فكلّ عدد من السنين يذكر فإنه دعوى ، والسنّ التي اعتبرها النبىّ عليه السلام أولى من سنّ لم يعتبرها ، ولا قام في الشرع دليل عليها.
وكذلك اعتبر النبىّ صلّى الله عليه وسلّم الإنبات في بنى قريظة ؛ فمن عذيري ممّن يترك أمرين اعتبرهما النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ، فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لفظا ، ولا جعل له في الشريعة نظرا.
__________________
(١) الاهتبال : الاحتيال.
(٢) في ا : وحسن.
(٣) صحيح مسلم : ١٤٩٠
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
