وقال أبو حنيفة : لا تصحّ هبة المشاع إلّا بعد القسمة ، والذي انفصل به المهر عن عموم الآية أنّ الله سبحانه (١) إنما بيّن تكميلا ثبت بنفس العفو دون شرط قبض ذلك في عفو المرأة (٢) ؛ والمهر دين ؛ أو في عفو الرجل ، والمهر مقبوض دين على المرأة. فأما المعيّن (٣) فلا يكمل العفو فيه إلّا بقبض متصل به ، أو قبض قائم ينوب عن قبض الهبة ، ولئن حملت الآية على عفو بشرط (٤) زيادة القبض ، فنحن لا نشترط إلّا تمامه ، وتمامه بالقسمة ، فآل الاختلاف إلى كيفية القبض.
قال القاضي ابن العربي : هذا الانفصال إنما يستمرّ بظاهره على أصحاب الشافعى الذين يشترطون في الهبة القبض. فأما نحن فلا نرى ذلك ؛ فلا يصحّ لهم هذا الانفصال معنا ، فإنّ نفس العفو ممن عفا يخلص ملكا لمن عفى له.
وأما أصحاب الشافعى فلا يصحّ لهم هذا معهم من طريق أخرى ، وهي أنّ الآية بمطلقها تفيد صحّة هبة المشاع ، مع كونه مشاعا ، وافتقار الهبة إلى القبض نظر (٥) يؤخذ من دليل يخصّ تلك النازلة ؛ فمشترط القسمة مفتقر إلى دليل ، ولما يجدوه إلا من طريق المعنى ينبنى (٦) على اشتراط القبض ؛ ونحن لا نسلّمه ، وليس التمييز من القبض أصلا في ورد ولا صدر ، فصحّ تعلقنا بالآية وعمومها وسلمت من تشغيبهم.
الآية السادسة والسبعون ـ قوله تعالى (٧) : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) :
فيها سبع مسائل :
المسألة الأولى ـ قوله تعالى : (حافِظُوا).
المحافظة : هي المداومة على الشيء والمواظبة ، وذلك بالتمادى على فعلها ، والاحتراس من تضييعها ، أو تضييع بعضها.
وحفظ الشيء في نفسه مراعاة أجزائه وصفاته ، ومنه كتاب عمر : من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ؛ فيجب أولا حفظها ثم المحافظة عليها ؛ بذلك يتمّ الدين.
__________________
(١) العبارة في ا : وذكر أهل ما وراء النهر في الانفصال عن عموم الآية بأن الله تعالى. والمثبت من ل.
(٢) في ل : في غير المرأة.
(٣) في ا : فأما العين.
(٤) في ا : على عقد شرط زيادة القبض.
والمثبت من ل.
(٥) في ا : نظر غير يؤخذ.
(٦) في ا : مبنى.
(٧) الآية الثامنة والثلاثون بعد المائتين.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
