الثالث ـ أنه تعالى قال : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) : يعنى يسقطن. وقوله تعالى : (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) لا يتصوّر الإسقاط فيه إلّا من الولىّ ؛ فيكون معنى اللفظ الثاني هو معنى اللفظ الأول بعينه ، وذلك أنظم للكلام.
الرابع ـ أنه تعالى قال : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) ، يعنى يسقطن ، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ، يعنى يسقط ؛ فيرجع القول إلى النصف الواجب بالطلاق الذي تسقطه المرأة ، فأما النصف الذي لم يجب فلم يجر له ذكر.
المسألة السابعة ـ في المختار :
والذي تحقّق عندي بعد البحث والسّبر أن الأظهر هو الولىّ لثلاثة أوجه :
أحدها ـ أنّ الله تعالى قال في أول الآية : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ...) إلى قوله تعالى : (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) ، فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب ، ثم قال : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) فذكر النسوان ... (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) فهذا ثالث ؛ فلا يردّ إلى الزوج المتقدّم إلّا لو لم يكن لغيره وجود ، وقد وجد وهو الولىّ ، فلا يجوز بعد هذا إسقاط التقدير بجعل الثلاث اثنين من غير ضرورة.
الثاني ـ أنّ الله تعالى قال : (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) ، ولا إشكال في أنّ الزوج بيده عقدة النكاح لنفسه ، والولىّ بيده عقدة النكاح لوليته ، على القول بأنّ الذي يباشر العقد الولىّ ؛ فهذه المسألة هي أصول العفو مع أبى حنيفة ، وقد بينّاها قبل ، وشرحناها في مسائل الخلاف.
فقد ثبت بهذا أنّ الولىّ بيده عقدة النكاح ، فهو المراد ؛ لأنّ الزوجين يتراضيان فلا ينعقد لهما أمر إلّا بالولىّ ، بخلاف سائر العقود ، فإنّ المتعاقدين يستقلان بعقدهما.
الثالث ـ إنّ ما قلناه أنظم في الكلام ، وأقرب إلى المرام ، لأن الله تعالى قال : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ). ومعلوم أنه ليس كلّ امرأة تعفو ، فإنّ الصغيرة أو المحجورة لا عفو لها ، فبيّن الله تعالى القسمين ، وقال : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) إن كنّ لذلك أهلا ، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ؛ لأنّ الأمر فيه إليه.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
