فإن قيل : فقد قال تعالى (١) : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) ، فذكرها لكلّ مطلقة؟
قلنا : عنه جوابان : أحدهما أنّ المتاع هو كلّ ما ينتفع به ؛ فمن كان لها مهر فمتاعها مهرها ، ومن لم يكن لها مهر فمتاعها ما تقدم.
الثاني أنّ إحدى الآيتين حقيقة دون الأخرى ، وذلك بيّن في مسائل الخلاف ، فلينظر هنالك إن شاء الله تعالى.
الآية الخامسة والسبعون ـ قوله تعالى (٢) : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).
فيها ثماني مسائل :
المسألة الأولى ـ هذا القسم هو أحد الأقسام المتقدمة ، وهو مطلّقة قبل المسيس وبعد الفرض ، فلها نصف المفروض واجبا ، كما أنّ للمتقدمة المتعة مستحبّة.
المسألة الثانية ـ إنّ المطلقة قبل المسيس لها نصف المهر ، وإن خلا بها ، ولا تضرّ الخلوة بالمهر ، إلّا أن يقترن بها مسيس في مشهور المذهب ؛ وبه قال الشافعى.
وقال أبو حنيفة : يتقرّر المهر بالخلوة ؛ وظاهر القرآن يدلّ على ما قلناه.
فإن قيل : الآية حجّة عليكم ؛ لأنه لو خلا وقبّل ولمس قلتم لا يتقرّر المهر.
قلنا : المسيس هاهنا كناية عن الوطء بإجماع ؛ لأنّ عندكم أنه لو خلا ولم يلمس ولا قبّل يتقرر المهر ، ولم يوجد هنا مسّ ولا وطء ؛ وهذا خلاف الآية ومراغمة الظاهر.
المسألة الثالثة ـ لما قسم الله تعالى حال المطلقة إلى قسمين ؛ مطلّقة سمّى لها فرض ، ومطلّقة لم يسمّ لها فرض دلّ على أنّ نكاح التفويض جائز ، وهو كلّ نكاح عقد من غير ذكر الصداق ؛ ولا خلاف فيه ، ويفرض بعد ذلك الصداق. فإن فرض التحق بالعقد وجاز ، وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا ، وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة : لا يتنصف بالطلاق ؛ لأنه لم يجب بالعقد ، وهذا خلاف الظاهر من قوله تعالى : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ
__________________
(١) سورة البقرة ، آية ٢٤١
(٢) الآية السابعة والثلاثون بعد المائتين.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
