القرآن اقتضى أحدهما وزادت السنة الثاني ؛ إنما (١) يقال : إنّ السنة أثبتت المراد منهما ، والعدول عن هذا جهل بالدليل أو مراغمة (٢) وعناد في التأويل.
الآية التاسعة والستون ـ قوله تعالى (٣) : (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً).
فيها ستّ مسائل :
المسألة الأولى ـ قوله تعالى : (فَبَلَغْنَ) : معناه قاربن البلوغ ؛ لأنّ من بلغ أجله بانت منه امرأته وانقطعت رجعته ، فلهذه الضرورة جعل لفظ بلغ بمعنى قارب ، كما يقال : إذا بلغت مكة فاغتسل.
المسألة الثانية ـ قوله تعالى : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) : هو الرّجعة مع المعروف محافظة على حدود الله تبارك وتعالى في القيام بحقوق النكاح.
المسألة الثالثة ـ قوله تعالى : (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) : يعنى طلّقوهنّ.
قال الشافعى : هذا من ألفاظ التصريح في الطلاق ، وهي ثلاثة : طلاق ، وسراح ، وفراق. وفائدتها عنده أنها لا تفتقر إلى النية ؛ بل يقع الطلاق بذكرها مجردة عن النية.
وعندنا أنّ صريح الطلاق الذي لا يفتقر إلى النية نيّف (٤) على عشرة ألفاظ ، ولم يذكر الله تعالى هذه الألفاظ ليبيّن بها عدد الصريح ؛ وإنما دخلت لبيان أحكام علقت على الطلاق ، فلا تستفاد منه ، ما لم يذكر لأجله ولا في موضعه.
وقد بيّنا ذلك في المسائل ، ولا يصح أن يجعل قوله هاهنا : (أَوْ سَرِّحُوهُنَ) صريحا في الطلاق قطعا ؛ لأنّ الله تعالى إنما أراد بقوله : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) ، أى أرجعوهن قولا أو فعلا على ما يأتى بيانه في سورة الطلاق ، إن شاء الله تعالى.
ومعنى (أَوْ سَرِّحُوهُنَ) ؛ أى اتركوا الارتجاع ، فستسرح عند انقضاء العدّة بالطلاق الأول ، وليس إحداث طلاق بحال ، وقد يكون الطلاق الذي كانت عنه (٥) العدة مكانه ،
__________________
(١) في ا : ما يقال ، وهو تحريف. صوابه من ل.
(٢) المراغمة : الخروج. وأصله المغاضبة والمنابذة.
(٣) الآية الواحدة والثلاثون بعد المائتين.
(٤) نيف : زاد.
(٥) في ل : عنده.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
