الثالثة ، لقوله تعالى بعده : (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) لو لم يذكر الوقوع ببدل ولا حكم ما بعده ، فتبيّن بقوله تعالى : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أنّ الافتداء بالمال عن النكاح جائز ، وطلاق في الجملة ، وأنه لا رجعة بعده ، فإنه (١) لم يذكر بعده رجعة ؛ فالآية سيقت لبيان جملة ، فيكون التّرك بيانا.
ثم قال تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَها) ، فبيّن أنّ الصريح يقع بعد الطلاق بمال.
قلنا : هذا تطويل ليس وراءه تحصيل ، إنما قال الله تعالى : (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) بما قد تردّد في كلامنا ، جملته أنّ الطلاق محصور في ثلاث ، وأنّ للزوج فيما دون الثلاث الرجعة ، وأن الثالثة تحرمها إلى غاية ، وتبيّن مع ذلك كلّه تحريم أخذ الصداق إلّا بعد رضا المرأة لما قد استوفى منها واستحلّ من فرجها ، وأحكم أنه لا حجّة له في أن يقول : تأخذ بمقدار متعتى ، وآخذ بما بقي لي. وأوضح أنّ للمرأة أن تفكّ نفسها من رقّ النكاح بمالها منه ومن غيره ، وسواء أخذه في الأولى أو الثانية ؛ أو الثالثة ، لقوله تعالى بعد ذكر أعداد الطلاق الثلاث والمرتين (٢) والتسريح : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) كيفما كان الفداء ؛ فكان بيانا لجواز الفداء في الجملة كلّها لا في محلّ مخصوص منها بأولى أو ثانية أو ثالثة.
جواب آخر : وأمّا تحريم الرجعة في طلاق الخلع فليس من هذه الآية ، إنما اقتضت الآية تحريمها بالثالثة ، أو بالثلاث ، فأمّا سقوط الرجعة في المفاداة فمأخوذ من دليل آخر ، وهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ثابت بن قيس فمعناه (٣) وفرقه.
جواب ثالث : أما قولهم : إن الصريح يقع بعد الطلاق ، فنقول : نعم ، ولكن في محلّه ؛ ألا ترى أنّ العدّة لو انقضت لم يقع طلاق ثان ، ولا يقع إذا خالعها في الأولى ولا في الثانية.
جواب رابع : قد بينّا قبل هذا تقدير الآية ونظم مساقها بما يقتضيه لفظها ، لا بما لا يقتضيه ولا يدلّ عليه كما فعلوا ؛ فقارنوا بين الأمرين تجدوا البون بيّنا إن شاء الله تعالى.
الآية الثامنة والستون ـ قوله تعالى (٤) : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ
__________________
(١) في ل : وأنه.
(٢) في ل : الثلاث ـ المرتين.
(٣) في ل : بمعناه.
(٤) الآية الثلاثون بعد المائتين.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
