المنبر ، وأنا لعظم الجياء لا اعرف في أى بقعة أنا من الأرض ، والجامع غاصّ بأهله ، وأسال الحياء بدني عرفا ، وأقبل الشيخ على الخلق ، فقال لهم : أنا معلّمكم ، وهذا معلّمى ؛ لمّا كان بالأمس قلت لكم : آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلّق ، وظاهر ؛ فما كان أحد منكم فقه عنى ولا ردّ علىّ ، فاتّبعنى إلى منزلي ، وقال لي كذا وكذا ؛ وأعاد ما جرى بيني وبينه ، وأنا تائب عن قولي بالأمس ، وراجع عنه إلى الحقّ ؛ فمن سمعه ممّن حضر فلا يعوّل عليه ، ومن غاب فليبلّغه من حضر ؛ فجزاه الله خيرا ؛ وجعل يحفل في الدعاء ، والخلق يؤمّنون.
فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدّين المتين ، والاعتراف بالعلم لأهله على رءوس الملأ من رجل ظهرت رئاسته ، واشتهرت نفاسته ، لغريب مجهول العين لا يعرف من ولا من أين ، فاقتدوا به ترشدوا.
المسألة السادسة عشرة ـ قوله تعالى : (فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : يقتضى أنه قد تقدم ذنب ، وهو الإضرار بالمرأة في المنع من الوطء ، ولأجل هذا قلنا : إنّ المضارّة دون يمين توجب من الحكم ما يوجب اليمين إلّا في أحكام المرأة. والله أعلم.
الآية السادسة والستون ـ قوله تعالى (١) : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
هذه الآية من أشكل آية في كتاب الله تعالى من الأحكام ، تردّد فيها علماء الإسلام ، واختلف فيها الصحابة قديما وحديثا ، ولو شاء ربّك لبيّن طريقها وأوضح تحقيقها ، ولكنه وكل درك البيان إلى اجتهاد العلماء ليظهر فضل المعرفة في الدرجات الموعود بالرّفع فيها ؛ وقد أطال الخلق فيها النفس ، فما استضاءوا بقبس ، ولا حلّوا عقدة الجلس (٢) ؛ والضابط لأطرافها ينحصر في إحدى عشرة مسألة :
المسألة الأولى ـ ينظمها ثلاثة فصول :
__________________
(١) الآية الثامنة والعشرون بعد المائتين.
(٢) الجلس : المجلس. وفي ا : الحلس ، والحلس : مسح تجلل به الدابة.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
