ويظهر الخلاف في المسلم إذا حجّ ثم ارتدّ ثم أسلم ، فقال مالك : يلزمه الحجّ لأنّ الأوّل قد حبط [٧٥] بالردّة. وقال الشافعى : لا إعادة عليه لأنّ عمله باق.
واستظهر عليه علماؤنا بقول الله تعالى (١) : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ). وقالوا : هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به أمّته لأنه صلى الله عليه وسلم يستحيل منه الردّة شرعا.
وقال أصحاب الشافعى : بل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة ، وبيان أنّ النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله ، فكيف أنتم؟ لكنه لا يشرك لفضل مرتبته ، كما قال الله تعالى (٢) : (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ) ؛ وذلك لشرف منزلتهن ، وإلا فلا يتصوّر إتيان فاحشة منهن ، صيانة لصاحبهنّ المكرّم المعظّم.
قال ابن عباس ، حين قرأ : (٣) (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما) : والله ما بغت امرأة نبىّ قط ، ولكنهما كفرتا.
وقال علماؤنا : إنما ذكر الموافاة شرطا هاهنا ، لأنه علّق عليها الخلود في النار جزاء ، فمن وافى كافرا خلّده الله في النار بهذه الآية ، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى ، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين وحكمين متغايرين ، وما خوطب به النبىّ صلى الله عليه وسلم فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به ، وما ورد في أزواجه صلى الله عليه وسلم فإنما قيل ذلك فيهنّ ليبيّن أنّه لو تصوّر لكان هتكا لحرمة الدين وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكلّ هتك حرمة عقاب ، وينزّل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام ، أو في البلد الحرام ، أو في المسجد الحرام ، فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات ، والله الواقي لا ربّ غيره.
الآية السابعة والخمسون ـ قوله تعالى (٤) : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما).
__________________
(١) سورة الزمر ، آية ٦٥
(٢) سورة الأحزاب ، آية ٣٠
(٣) سورة التحريم ، آية ١٠
(٤) الآية التاسعة عشرة بعد المائتين.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
