وقد سأل بعض المتأخرين من أصحابنا أهل بلادنا ، فقال لهم : إنّ العامّ عند أبى حنيفة ينسخ الخاصّ ، وهذا البائس ليته سكت عما لا يعلم ، وأمسك عما لا يفهم ، وأقبل على مسائل مجردة (١).
وقد روى الأئمة عن ابن عباس أن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : إنّ هذا البلد حرّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ، وإنما أحلّت لي ساعة من نهار.
فقد ثبت النهى عن القتال فيها قرآنا وسنة ؛ فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل إليه. وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحدّ عليه ، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيها فيقتل بنصّ القرآن.
المسألة الثالثة ـ قوله تعالى : (فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ).
هذا يبيّن أنّ الكافر إذا قاتل قتل بكل حال ، بخلاف الباغي المسلم فإنّه إذا قاتل يقاتل بنيّة الدّفع ، ولا يتبع مدبر ، ولا يجهز [٥٨] على جريح ؛ وهذا بيّن.
المسألة الرابعة ـ قوله تعالى : (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
يعنى انتهوا بالإيمان فإنّ الله يغفر لهم جميع ما تقدم ، ويرحم كلّا منهم بالعفو عما اجترم. وهذا ما لم يؤسر ، فإن أسر منعه الإسلام عن القتل وبقي عليه الرقّ ، لما روى مسلم وغيره عن عمران بن حصين أنّ ثقيفا كانت حلفاء لبنى عقيل في الجاهلية ، فأصاب المسلمون رجلا من بنى عقيل ومعه ناقة له ، فأتوا به النبىّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ؛ بم أخذتنى وأخذت سابقة الحاجّ؟ قال : أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف ، وقد كانوا أسروا رجلين من المسلمين ، فكان النبىّ صلى الله عليه وسلم يمرّ به وهو محبوس ، فيقول : يا محمد ، إنى مسلم. قال : لو كنت قلت ذلك وأنت تملك أمرك أفلحت كلّ الفلاح ، ففدّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين من المسلمين ، وأمسك الناقة لنفسه.
الآية الثانية والأربعون ـ قوله تعالى (٢) : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ).
فيها أربع مسائل :
__________________
(١) في ا : على مسائله المجردة.
(٢) الآية الثالثة والتسعون بعد المائة.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
