الفداء ، ويقتل منّا. وقد ثبت عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر ؛ فقيل له : إن ابن خطل (١) متعلّق بأستار الكعبة ، فقال : اقتلوه.
المسألة الثانية ـ قوله تعالى : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ).
فيه قولان :
أحدهما ـ أنه محكم ، قاله مجاهد وأبو حنيفة.
الثاني ـ أنه منسوخ بقوله تعالى (٢) : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ). وقال قتادة : هو منسوخ بقوله تعالى (٣) : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ).
قال القاضي أبو بكر بن العربي : وقد حضرت في بيت المقدس طهّره الله بمدرسة أبى عتبة الحنفي والقاضي الريحاني (٤) يلقى علينا الدرس في يوم جمعة ، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهىّ المنظر على ظهره أطمار ، فسلّم سلام العلماء ، وتصدّر في صدر المجلس بمدارع الرّعاء ، فقال له الريحاني : من السيّد؟ فقال له : رجل سلبه الشطّار أمس ، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس ، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم. فقال القاضي مبادرا : سلوه ، على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم. ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا (٥) التجأ إلى الحرم ، هل يقتل فيه أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل ، فسئل عن الدليل ، فقال : قوله تعالى : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ). قرئ : ولا تقتلوهم ولا تقاتلوهم ، فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نصّ ، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه ؛ لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بيّنا ظاهرا على النهى عن القتل.
فاعترض عليه القاضي الريحاني منتصرا للشافعي ومالك وإن لم ير مذهبهما على العادة ، فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ). فقال له الصاغاني : هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه ، فإن هذه الآية التي اعترضت بها علىّ عامّة في الأماكن ، والآية التي احتججت بها خاصة ، ولا يجوز لأحد أن يقول إن العامّ ينسخ الخاص ، فأبهت القاضي الريحاني. وهذا من بديع الكلام.
__________________
(١) هو هلال ، أو عبد الله بن خطل ، وتعلق بأستار الكعبة يوم الفتح. (القاموس ـ خطل).
(٢) سورة التوبة ، آية ٥
(٣) سورة البقرة ، آية ١٩٣
(٤) في ا : الزنجاني. وفي م : فقال القاضي. وفي ل : فقال القاضي الريحاني.
(٥) هنا في هامش م : مسألة الكافر إذا التجأ الحرم هل يقتل؟
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
