المسألة الأولى ـ في مقدمة لها :
إنّ الله سبحانه بعث نبيّه صلى الله عليه وسلم بالبيان والحجّة ، وأوعز إلى عباده على لسانه بالمعجزة والتذكرة ، وفسح لهم في المهل ، وأرخى لهم في الطّيل (١) ما شاء من المدة بما اقتضته المقادير التي أنفذها ، واستمرت به الحكمة ، والكفار يقابلونه بالجحود والإنكار ، ويعتمدونه وأصحابه بالعداوة والإذاية ، والباري سبحانه يأمر نبيّه عليه السلام وأصحابه باحتمال الأذى والصّبر على المكروه ، ويأمرهم بالإعراض تارة وبالعفو والصفح أخرى ، حتى يأتى الله بأمره ، إلى أن أذن الله تعالى لهم في القتال.
فقيل : إنه أنزل على رسوله (٢) : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) ، وهي أول آية نزلت ، وإن لم يكن أحد قاتل ، ولكن معناه أذن للذين يعلمون أنّ الكفّار يعتقدون قتالهم وقتلهم بأن يقاتلوهم [٥٥] على اختلاف القراءتين (٣) ، ثم صار بعد ذلك فرضا ، فقال تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ).
ثم أمر بقتال الكلّ ، فقال (٤) : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ..) الآية. وقيل : إن هذه الآية أول آية نزلت.
والصحيح ما رتّبناه ؛ لأن آية الإذن في القتال مكّية ، وهذه الآية مدنية متأخّرة.
المسألة الثانية ـ في سبب نزولها : روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سار إلى العمرة زمن الحديبية فصدّه المشركون عنها ، فأمر بقتالهم ، فبايع على ذلك ، ثم أذن له في الصلح إلى أمر ربّك أعلم به.
المسألة الثالثة ـ قال جماعة : إنّ هذه الآية منسوخة بآية براءة ، وهذا لا يصحّ ؛ لأنه أمر هاهنا بقتال من قاتل ، وكذلك أمر بذا بعده ، فقال تعالى (٥) : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) ، بيد أن أشهب روى عن مالك أنّ المراد هاهنا أهل المدينة ، أمروا بقتال من قاتلهم.
وقال غيره : هو خطاب للجميع ، وهو الأصحّ ؛ أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله ، إذ لا يمكن سواه ؛ ألا تراه كيف بيّنها تعالى في سورة براءة بقوله (٦) : (قاتِلُوا الَّذِينَ
__________________
(١) الطيل : حبل تشد به قائمة الدابة ، أو تشد ويمسك طرفه وترسلها ترعى.
(٢) سورة الحج ، آية ٣٩
(٣) في ل : على اختلاف في القولين. وفي القرطبي (١٢ ـ ٦٨) : وقرى أذن بفتح الهمزة ، أى أذن الله. يقاتلون ، بكسر التاء ، أى يقاتلون عدوهم.
(٤) سورة التوبة ، آية ٥
(٥) سورة التوبة ، آية ٣٦
(٦) سورة التوبة ، آية ١٢٣
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
