صحيفتك إذ كنت العلة في إظهاره (وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) بدعوة الخلق على وجه الجمع والفرق (وَيَنْصُرَكَ اللهُ) على النفوس الأمّارة ممن تدعوهم إلى الحق (نَصْراً عَزِيزاً) قلما يشبهه نصر ، ومن هنا كانصلىاللهعليهوسلم أكثر الأنبياء عليهمالسلام تبعا ، وكان علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل إلى غير ذلك مما حصل لأمته بواسطة تربيته عليه الصلاة والسلام لهم وإفاضة الأنوار والأسرار على نفوسهم وأرواحهم ، والمراد ليجمع لك هذه الأمور فلا تغفل (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) فسروها بشيء يجمع نورا وقوة وروحا بحيث يسكن إليه ويتسلى به الحزين والضجر ويحدث عنده القيام بالخدمة ومحاسبة النفس وملاطفة الخلق ومراقبة الحق والرضا بالقسم والمنع من الشطح الفاحش ، وقالوا : لا تنزل السكينة إلا في قلب نبي أو ولي (لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) فيحصل لهم الإيمان العياني والإيمان الاستدلالي البرهاني (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً) على جميع المخلوقات إذ كنت أول مخلوق ، ومن هنا أحاط صلىاللهعليهوسلم علما بما لم يحط به غيره من المخلوقات لأنه عليه الصلاة والسلام شاهد خلق جميعها ، ومن هذا المقام قال عليه الصلاة والسلام : «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد» (وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) إذ كنت أعلم الخلق بصفات الجمال والجلال (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) يشير عندهم إلى كمال فناء وجوده صلىاللهعليهوسلم وبقائه بالله عزوجل ، وأيد ذلك بقوله سبحانه : (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ) المتخلفون عن السير إلى قتال الأنفس الأمارة (مِنَ الْأَعْرابِ) من سكان بوادي الطبيعة (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا) العوائق والعلائق (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) اطلب من الله عزوجل ستر ذلك عن ليتأتى لنا السير (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) لتمكن حب ذلك في قلوبهم وعدم استعدادهم لدخول غيره فيها :
|
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم |
|
وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا |
(قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً) أي إن هاتيك العوائق والعلائق لا تجديكم شيئا (بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فيجازيكم عليها حسبما تقتضي الحكمة (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ) بل حسبتم أن لا يرجع العقل والقوى الروحانية من السالكين السائرين إلى جهاد النفس وطلب مغانم التجليات والانس إلى ما كانوا عليه من إدراك المصالح وتدبير حال المعاش وما تقتضيه هذه النشأة (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) بالله تعالى وشئونه عزوجل (وَكُنْتُمْ) في نفس الأمر (قَوْماً بُوراً) هالكين في مهالك الطبيعة وسوء الاستعداد (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها) وهي مغانم التجليات ومواهب الحق لأرباب الحضرات (ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ) دعونا نسلك مسلككم لننال منالكم (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ) في حقهم من حرمانهم المغانم لسوء استعدادهم (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ) حكم وقضى (مِنْ قَبْلُ) إذ كنتم في عالم الأعيان الثابتة (فَسَيَقُولُونَ) منكرين لذلك (بَلْ تَحْسُدُونَنا) ولهذا تمنعوننا عن الاتباع (بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً) ولذلك نسبوا الحسد وهو من أقبح الصفات إلى ذوي النفوس القدسية المطهرة عن جميع الصفات الردية (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ) ولا تتركون سدى (إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) وهم النفس وقواها (تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) ينقادون لحكم رسول العقل المنزه عن شوائب الوهم (فَإِنْ تُطِيعُوا) الداعي (يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً) من أنواع المعارف والتجليات (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) وهو عذاب الحرمان والحجاب (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى) وهو من لم ير في الدار غيره ديارا (حَرَجٌ) في ترك السلوك والجهاد المطلوب منكم لأنه وراء ذلك (وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ) وهو من فقد شيخا كاملا سالما عن عيب في كيفية التسليك والإيصال (حَرَجٌ) في ترك السلوك أيضا ، وهو إشارة إلى ما قالوا من أن ترك السلوك خير من السلوك على يد
![روح المعاني [ ج ١٣ ] روح المعاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3200_ruh-almaani-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
