من خرق العادة لك فإن ظهور الخوارق على يد الأنبياء عليهمالسلام كثير حتى لا يعد بالنسبة إليهم مخالفا للعادة ، وكأن مقصده عليهالسلام استعظام نعمته تعالى عليه في ضمن التعجب العادي المبني على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين عباده جلّ وعلا لا استبعاد ذلك بالنسبة إلى قدرته جل جلاله ، فإنه عليهالسلام بل النبي مطلقا أجل قدرا من ذلك ، وينبئ عنه قول الملائكة عليهمالسلام : (فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ) على ما فيه من المبالغة دون أن يقولوا : من الممترين ونحوه (قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ) استفهام إنكاري أي لا يقنط (مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) أي الكفرة المخطئون طريق معرفة الله تعالى فلا يعرفون سعة رحمته وكمال علمه وقدرته سبحانه وتعالى ، وهذا كقول ولده يعقوب : (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) [يوسف : ٨٧] ومراده عليهالسلام نفي القنوط عن نفسه بأبلغ وجه أي ليس بي قنوط من رحمته تعالى وإنما الذي أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك النعمة الجليلة علي ، وفي التعرض لعنوان الربوبية والرحمة ما لا يخفى من الجزالة.
وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وأبو عمرو في رواية «القنطين» والنحويان والأعمش «يقنط» بكسر النون ، وباقي السبعة بفتحها ، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والأشهب بضمها ، وهو شاذ وماضيه مثله في التثليث. واستدل بالآية على تفسير «الضالين» بما سمعت لما سمعت من الآية على أن القنوط وهو ـ كما قال الراغب : ـ اليأس من الخير كفر ، والمسألة خلافية ، والشافعية على أن ذاك وكذا الأمن من المكر من الكبائر
«للحديث الموقوف على ابن مسعود أو المرفوع من الكبائر الإشراك بالله تعالى واليأس من روح الله تعالى والأمن من مكر الله تعالى» وقال الكمال بن أبي شريف : العطف على الإشراك بمعنى مطلق الكفر يقتضي المغايرة فإن أريد باليأس إنكار سعة الرحمة الذنوب وبالأمن اعتقاد أنه لا مكر فكل منهما كفر اتفاقا لأنه رد للقرآن العظيم ، وإن أريد استعظام الذنوب واستبعاد العفو عنها استبعادا يدخل في حد اليأس وغلبة الرجاء المدخل له في حد الأمن فهو كبيرة اتفاقا اه وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر.
(قالَ فَما خَطْبُكُمْ) أي أمركم وشأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) لعله عليهالسلام علم أن كمال المقصود ليس البشارة من مقالة لهم في أثناء المحاورة مطوية هنا ، وتوسيط (قالَ) بين كلاميه عليهالسلام مشيرا إلى أن هناك ما طوي ذكره ، وخطابه لهم عليهمالسلام بعنوان الرسالة بعد ما كان خطابه السابق مجردا عن ذلك مع تصديره بالفاء ظاهر في أن مقالتهم المطوية كانت متضمنة ما فهم منه ذلك فلا حاجة إلى الالتجاء أن علمه عليهالسلام بأن كل المقصود ليس البشارة بسبب أنهم كانوا ذوي عدد والبشارة لا تحتاج إلى عدد ولذلك اكتفى بواحد في زكريا ومريم عليهماالسلام ولا إلى أنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدءوا بها على أن فيما ذكر بحثا فقد قيل : إن التعذيب كالبشارة لا يحتاج أيضا إلى العدد ؛ ألا يرى أن جبريل عليهالسلام قلب مدائنهم بأحد جناحيه ، وأيضا يرد على قوله : ولذلك اكتفى إلخ أن زكريا عليهالسلام لم يكتف في بشارته بواحد كما يدل عليه قوله تعالى : (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى) [آل عمران : ٣٩] وأما مريم عليهاالسلام فإنما جاءها الواحد لنفخ الروح والهبة كما يدل عليه قوله : (لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) [مريم : ١٩] وقوله تعالى : (فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) [الأنبياء : ٩١ ، التحريم : ١٢] وأما التبشير فلازم لتلك الهبة وفي ضمنها وليست مقصودة بالذات ، وأيضا يخدش قوله : ولو كانت تمام المقصود لابتدءوا بها ما في قصة مريم عليهاالسلام قالت : (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) [مريم : ١٨ ، ١٩].
فيجوز أن يكون قولهم : (لا تَوْجَلْ) تمهيدا للبشارة. وأجيب عن هذا بأنه لا ورود له لأن مريم عليهاالسلام
![روح المعاني [ ج ٧ ] روح المعاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3191_ruh-almaani-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
