(تَنْزِيلٌ) أي : هذا القرآن تنزيل (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) هذا بيان لكون القرآن قول رسول الله ، فهو قول رسول نزل عليه من رب العالمين ، وبعد أن نفى أن يكون رسول الله صلىاللهعليهوسلم شاعرا أو كاهنا ، وأثبت أنه رسول ، وإذن فهذا القرآن ليس شعرا أو كهانة ، فلم يبق إلا أن يكون منزلا من الله عزوجل ، يذكر سنته فيمن كذب عليه مما يؤكد أن محمدا صلىاللهعليهوسلم لم يتقول هذا القرآن من عند نفسه فقال : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ) أي : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله (لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) قال ابن كثير : (وقيل معناه : لانتقمنا منه باليمين لأنها أشد في البطش ـ أي : في تصور الناس ـ وقيل : لأخذنا بيمينه) (ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ) قال ابن عباس : وهو نياط القلب ، وهو العرق المعلق فيه القلب (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) أي : فما يقدر أحد منكم على أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئا من ذلك ، وإذن فهو صادق بار راشد ، لأن الله عزوجل مقرر له ما يبلغه عنه ، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات ، والدلالات القاطعات ، والمعنى العام للآيات الأربعة : لو كان محمد صلىاللهعليهوسلم كما يزعمون مفتريا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها ، أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا ، وليس كذلك ، لعاجلناه بالعقوبة ، فإذ لم نفعل فذلك دليل صدقه فيما يقول عنا.
كلمة في السياق :
بدأت الفقرة بقوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ) ثم جاء جواب القسم : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) وبعد أن أثبت الله عزوجل أن هذا القول قوله سبحانه ، وأن رسوله صلىاللهعليهوسلم مبلغ عنه ، يأتي معطوفان على جواب القسم يتحدثان عن القرآن.
المعطوف الأول :
(وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) أي : وإن القرآن لعظة لمن اتصف بالتقوى ، وهذه خصيصة من خصائص القرآن تدل على أنه من عند الله ، فهو يذكر أهل التقوى بالله ، وباليوم الآخر ، وبما ينبغي أن يفعلوه طاعة الله ، وإذا كان القرآن كذلك فالمفروض ألا يبقى إلا مصدق بهذا القرآن ، ولكن الأمر ليس كذلك ، ومن ثم قال تعالى : (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ) أي : مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن ، ثم قال تعالى : (وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ) قال ابن جرير :
![الأساس في التفسير [ ج ١١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3161_alasas-fi-altafsir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
