(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) يا محمد في ذلك اليوم (يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) أي أن ضياءهم لإيمانهم يضيء لهم طريق الصراط ويكون دليلهم إلى الجنّة. (وَبِأَيْمانِهِمْ) يعني كتب أعمالهم يأخذونها بأيمانهم ثم يبشّرون فتقول لهم الملائكة : (بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ) باقين مؤبّدا (ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي الظفر المطلوب على أكمل وجه. (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا) بعد ان يروا ما هم عليه من النور والنعيم : (انْظُرُونا) أي اصبروا (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) أي نستضيء بنوركم ونتخلّص من هذه الظّلمات (قِيلَ) للكافرين : (ارْجِعُوا وَراءَكُمْ) أي عودوا إلى المحشر حيث أعطينا هذا النور. وقيل ارجعوا إلى الدنيا. (فَالْتَمِسُوا) هناك (نُوراً) تستضيئون به ، فيرجعون فلا يجدون شيئا. (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) أي أقيم بين المؤمنين والكافرين جدار يقام بين الجنّة والنار (لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) أي من جهة ذلك الظاهر العذاب أي جهنم كما أن الرحمة من جهة الجنّة (يُنادُونَهُمْ) أي أن المنافقين ينادون المؤمنين قائلين : (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) ألم نكن سوية في الحياة الدنيا نفعل ما تفعلون من صيام وقيام وغيرهما؟ (قالُوا بَلى) هذا جواب المؤمنين ، أي : نعم كنتم كذلك (وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي غششتم أنفسكم وأخذتم بفتنة النّفاق (وَتَرَبَّصْتُمْ) أي انتظرتم بمحمد (ص) الموت أو تربّصتم به (ص) وبالمؤمنين كلّ سوء (وَارْتَبْتُمْ) أي شككتم في أصل الدين (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُ) أي غشّتكم الآمال بأن تدور الدائرة بالمؤمنين فيهلكون (وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) يعني غرّكم الشيطان فأطعتموه (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ) أي لا يفيدكم أن تدفعوا بدلا تفدون به أنفسكم لتنجوا من العذاب (وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي الذين تظاهروا بالكفر الذي أبطنتموه (مَأْواكُمُ النَّارُ) أي مقرّكم الدائم الذي تأوون إليه (هِيَ مَوْلاكُمْ) يعني هي أولى بكم (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي وهي مصير بئيس تعيس.
١٦ و ١٧ ـ (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ...) أي : ألم يحن الوقت الذي تلين فيه قلوب المؤمنين (لِذِكْرِ اللهِ) فترقّ لما يسمعون من تذكيره سبحانه ووعظه لهم (وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ) أي وتلين أيضا للقرآن (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي اليهود والنصارى (مِنْ قَبْلُ) أي من قبلهم (فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) أي الزمان قد بعد بينهم وبين رسلهم (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) غلظت وزال خشوعها بحيث مرنت على المعاصي. (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) مارقون وخارجون عن إطاعة أوامر الله (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) يعني يحييها بالمطر بعد الجدوبة وهو كذلك يحيي الكافر الميّت القلب بالإيمان (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) أي أوضحنا لكم البراهين والحجج (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) بأمل أن ترجعوا إلى طاعتنا بعد التفكّر.
١٨ إلى ٢٠ ـ (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ ...) أي المتصدقين والمحسنين إلى الفقراء والمساكين ، من الرجال والنساء والذين (أَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً) أي بذلوا في سبل الخير ، فأولئك (يُضاعَفُ لَهُمْ) ما بذلوه من قرض لله (وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) مرّ تفسيره.
