يبصره من الحق ، ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا لتيقظه) واختلف المفسرون بالمراد في الآية على ثلاثة أقوال ، رجّح ابن كثير أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر ؛ لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة ، والدنيا كالمنام ، وهذا اختيار ابن جرير. قال ابن كثير : الخطاب مع الإنسان من حيث هو (وَقالَ قَرِينُهُ) قال النسفي : الجمهور على أنه الملك الكاتب الشهيد عليه ، وقال ابن كثير : (يقول تعالى مخبرا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل ويقول : (هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) أي : معد محضر بلا زيادة أو نقصان) والمراد بذلك ديوان الأعمال. قال ابن كثير : فعند ذلك يحكم الله في الخليقة بالعدل فيقول (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ) بالنعم والمنعم (عَنِيدٍ) أي : معاند مجانب للحق معاد لأهله ، معارض له بالباطل (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) أي : كثير المنع للمال عن حقوقه ، أو منّاع لجنس الخير أن يصل إلى أهله ، أي : لا يؤدي ما عليه من الحقوق ولا برّ فيه ولا صلة ولا صدقة (مُعْتَدٍ) أي : ظالم متخط للحق (مُرِيبٍ) أي : شاكّ في الله ، وفي دينه (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) أي : أشرك بالله فعبد معه غيره (فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ) أي : في نار جهنم ، والخطاب في قوله تعالى (أَلْقِيا) في أول الآيات الثلاث و (فَأَلْقِياهُ) في آخرها للملكين السائق والشهيد. قال ابن كثير : والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد فالسائق أحضره إلى عرضة الحساب ، فلمّا أدى الشهيد عليه أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم ، وبئس المصير (قالَ قَرِينُهُ) القرين هنا هو الشيطان الذي وكّل به قولا واحدا (رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي : ما أوقعته في الطغيان ، ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى. قال ابن كثير : أي بل كان هو في نفسه ضالا قابلا للباطل معاندا للحق (قالَ) الله عزوجل (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ) قال ابن كثير : يقول الله عزوجل (هذا) للإنسي وقرينه من الجن ، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى فيقول الإنسي : يا رب هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ، ويقول الشيطان : ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد عن منهج الحق ، فيقول الرب عزوجل لهما : (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ) أي : عندي (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) أي : قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل وأنزلت الكتب ، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين. قال النسفي : أي لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب فلا فائدة في اختصامكم ، ولا طائل تحته ، وقد أوعداكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي ، فما تركت لكم حجة عليّ (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ
![الأساس في التفسير [ ج ٩ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3156_alasas-fi-altafsir-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
