وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به ، إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه ، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات ، وإنما ذلك لحكمة ، وهو ما في كتبة الملكين وحفظهما ، وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات) (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ) أي : ما يتكلم به وما يرمي به من فمه (إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ) أي : حافظ (عَتِيدٌ) حاضر ، وهذا وصف لكل من الملكين ، وليس كما فهم بعضهم أن اسم الواحد منهم رقيب ، والثاني عتيد. قال النسفي : (ثم قيل يكتبان كل شىء حتى أنينه في مرضه ، وقيل لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر) ورجّح ابن كثير الأول ثم قال النسفي : (وقيل إن الملكين لا يجتنبانه إلا عند الغائط والجماع) أقول : ولكنهما يعلمان حتى في حالة مفارقته ما يقول ويفعل ويكتبانه ، ولنا عودة على هذا في الفوائد (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ) أي : شدته الذاهبة بالعقل (بِالْحَقِ) أي : بحقيقة الأمر أو بالحكمة أو باليقين (ذلِكَ) أي : الموت (ما كُنْتَ مِنْهُ) أيها الإنسان (تَحِيدُ) أي : تنفر وتهزب ، والمعنى : وجاءت ـ أيها الإنسان ـ سكرة الموت بالحق ، أي كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ، وهذا هو الذي كنت تفرّ منه ، قال ابن كثير : (واختلف المفسرون في المخاطب .. فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو ، وقيل الكافر ، وقيل غير ذلك) قال النسفي في الآية : لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بقدرته وعلمه ، أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ، ونبّه على اقتراب ذلك بأن عبّر عنه بلفظ الماضي وهو قوله (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ...) (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) قال النسفي : يعني نفخة البعث (ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) أي : وقت ذلك النفخ يوم الوعيد الذي أوعده الله عزوجل خلقه وحذّرهم إياه (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ) قال ابن كثير : أي ملك يسوقه إلى المحشر ، وملك يشهد عليه بأعماله ، هذا هو الظاهر من الآية ، وهو اختيار ابن جرير (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) النازل بك اليوم ، أي : يقال له ذلك (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ) أي : فأزلنا غفلتك بما تشاهده (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي : قوي. قال ابن كثير : لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة ، لكن لا ينفعهم ذلك ، وقال النسفي : (جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله ، أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا ، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها ، فيبصر ما لم
![الأساس في التفسير [ ج ٩ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3156_alasas-fi-altafsir-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
