وبالجملة لو جاز الإمساك عنه حتى يقتل من أراد قتله ، لوجب مثله في المحظورات كلها ، فيكون في ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستيلاء الفساق والظلمة.
والذي يخالف ذلك يقول : ذلك إذا كان الأمر بالمعروف غير مؤد إلى قتل وشهر سلاح ، فأما إذا كان يؤدي إلى ذلك فلا ، ويفوض المقتول أمره إلى الله عز وجل ، إذا كان يعلم أنه لو كان وجه دفعه بأسهل شيء من غير أن يخشى على نفسه فلا يجوز ، فأما إذا كان الأمر على الخطر واحتمال أن يقتلا جميعا ، فهو موضع الاحتمال وترديد القول.
قوله تعالى : (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)(١) :
فيه بيان أن كل ندم ليس بتوبة ، وأن ابن آدم القاتل لم يندم على وجه القربة إلى الله تعالى وخوف عقابه ، وإنما كان ندمه من حيث اتقى جانب أبويه وذويه ، واستوحش منهم ، ولم يهنه ما فعله في دنياه ، وانتبذ بعيدا عنهم ، فندم لذلك ، ولو ندم على وجه التوبة لأوشك أن يقبل الله تعالى منه ذلك.
وقد قيل : يجوز ألا يقبل الله توبة من شاء ، فإن قبول التوبة عند أهل السنة ليس واجبا على الله تعالى بقضية العقل ، وإنما المشيئة لله تعالى في قبول توبة من شاء ، فيجوز أن يقال إن قابيل ممن لم يسأل الله تعالى قبول توبته ، وإن وجدت منه التوبة حقيقة.
قوله تعالى : (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) ، الآية ٣٢ :
فيها إبانة عن المعنى الذي لأجله كتب على بني إسرائيل ما كتب مما
__________________
(١) سورة المائدة ٣١.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3147_ahkam-alquran-03-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
