المرير المعاكس لتيار الضغط والشر والارهاب ، وليس هو مجرد أفكار عابرة تنام حينا ، وتستيقظ حينا ، ولكنه الاعتداد بالفكر المناويء لحقائق الأشياء ، وهو لذلك يحسب له ألف حساب وحساب من قبل السلطان.
ولك أن تقدر مدي عناء هؤلاء العلماء من ملوك الزمان ، ولك أن تتصور تلك التضحيات الضخام التي قدموها من أجل اعلاء كلمة الله في الأرض ، فهم بين هلع واضطراب من الولاة ، وهم بين رقابة واستنفار من الأجهزة ، بل حتي قذف ببعضهم الي السجون.
فهذا محمد بن أبيعمير ، وهو من أوثق الرواة ، وتقدم أن مراسليه بمنزلة الصحاح ، وقد ألف أربعة وتسعين كتابا في مختلف الفنون ، فكان أحد أساطين الفقه والحديث (١).
وكان من عباد الله الصالحين ، شديد الورع ، معروفا بالتقوي ، ذا منزلة متميزة في العابدين ، مشتهرا بسجوده وتخنثه حتي ضرب به المثل (٢).
ويبدو أن سجلا خاصا بأعيان أصحاب الامام كان لديه ، أو أنه علي معرفة بعلية القوم كما يقال ، فأمر به الرشيد الي السجن ، وبقي في غياهبه (صفحه ٩٢) سبعة عشر عاما ، وجيء به مكبلا بالقيود ، فطلب اليه الرشيد أن يعرفه بأسماء الشيعة ، فامتنع عن ذلك ، فأمر به أن يضرب مائة سوط ، فكاد أن يبوح بأسمائهم.
يقول هو نفسه : فكدت أن أبوح بأسمائهم ، الا أنني سمعت نداء يونس بن عبدالرحمن يقول لي : يا محمد بن أبيعمير؛ أذكر موقفك بين يدي الله ، فتقويت بقوله ، فصبرت ، ولم أخبر ، والحمد لله (٣) ويبدو أن يونس بن عبدالرحمن كان معه في السجن ، فناداه بذلك.
__________________
(١) ظ : النجاشي / الرجال / ٢٥٠ ـ ٢٥١.
(٢) ظ : الكشي / الرجال / ٣٦٤.
(٣) المصدر نفسه / ٣٦٤.
