لينام فيه مستريحا هادئا؟ وكذلك الأرض مهد للبشر وملائمة لهم من جهة حركتها الوضعية والانتقالية ، وكما أن تحرك المهد لغاية تربية الطفل واستراحته ، فكذلك الأرض فإن حركتها اليومية والسنوية لغاية تربية الإنسان ، بل وجميع من عليها من الحيوان والجماد والنبات. وتشير الآية المباركة إلى حركة الأرض إشارة جميلة ولم تصرح بها لأنها نزلت في زمان أجمعت عقول البشر فيه على سكونها ، حتى أنه كان يعد من الضروريات التي لا تقبل التشكيك.
ومن الأسرار التي كشف عنها القرآن قبل أربعة عشر قرنا وجود قارة أخرى ، فقد قال سبحانه وتعالى : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) [الرحمن : ١٧]. وهذه الآية الكريمة قد شغلت أذهان المفسرين قرونا عديدة ، وذهبوا في تفسيرها مذاهب شتى ، فقال بعضهم : المراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومغربهما ، وحمله بعضهم على مشرقي الصيف والشتاء ومغربهما.
ولكن الظاهر أن المراد بها الإشارة إلى وجود قارة أخرى تكون على السطح الآخر للأرض ، يلازم شروق الشمس عليها غروبها عنا. وذلك بدليل قوله تعالى : (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف : ٣٨]. فالظاهر من هذه الآية أن البعد بين المشرقين هو أطول مسافة محسوسة فلا يمكن حملها على مشرقي الشمس والقمر ، ولا على مشرقي الصيف والشتاء ، لأن المسافة التي بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة ، فلا بدّ أن يراد بها المسافة التي بين المشرق والمغرب ، ومعنى ذلك أن يكون المغرب مشرقا لجزء آخر من الكرة الأرضية ليصح هذا التعبير. فالآية تدل على وجود هذا الجزء الذي لم يكتشف إلا بعد مئات من السنين من نزول القرآن.
