ومن الأسرار الغريبة التي أشار إليها الوحي الإلهي حاجة إنتاج قسم من الأشجار والنبات إلى لقاح الرياح فقال سبحانه : (وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) [الحجر : ٢٢].
فإن المفسرين الأقدمين وإن حملوا اللقاح في الآية الكريمة على معنى الحمل ، باعتبار أنّه أحد معانيه ، وفسروا الآية المباركة بحمل الرياح للسحاب أو المطر الذي يحمله السحاب ، ولكن التشبيه على هذا المعنى ليس فيه كبير اهتمام ولا سيما بعد ملاحظة أن الرياح لا تحمل السحاب وإنما تدفعه من مكان إلى آخر ، والنظرة الصحيحة في معنى الآية بعد ملاحظة ما اكتشفه علماء النبات تفيدنا سرا دقيقا لم تدركه أفكار السابقين وهو الإشارة إلى حاجة إنتاج الشجر والنبات إلى اللقاح. وأن اللقاح قد يكون بسبب الرياح وهذا كما في المشمش والصنوبر والرمان والبرتقال والقطن ونباتات الحبوب وغيرها ، فإذا نضجت حبوب الطلع انفتحت الأكياس وانتشرت خارجها محمولة على أجنحة الرياح فتسقط على مياسم الأزهار الأخرى عفوا.
وقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن سنة الزواج لا تختص بالحيوان بل تعم النبات بجميع أقسامه بقوله : (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) [الرعد : ٣]. وقوله تعالى : (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) [يس : ٣٦].
ومن الأسرار التي كشف عنها القرآن هي حركة الأرض فقد قال عز من قائل (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً) [طه : ٥٣].
تأمل كيف تشير الآية إلى حركة الأرض إشارة جميلة لم تتضح إلا بعد قرون ، وكيف تستعير للأرض لفظ المهد الذي يعمل للرضيع ، يهتز بنعومة
