فالحكمة في ذلك من أجل ابتلاء واختبار الإيمان ليميز الله المؤمن الصادق من دعي الإيمان. أما إذا كان النسخ في الحكم دون التلاوة فذلك ليعرف الناس أن هذا الدين حق وأنه منزل من الله سبحانه ، زيادة على ذلك ما يكتسبه القارئ لهذه الآيات من الأجر والثواب ، معرفة ما حوته هذه الآيات المنسوخة من بلاغة وحسن بيان. ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها إلى غير ذلك من فوائد.
أما حكمة نسخ التلاوة مع إبقاء الحكم.
فحكمته تظهر في كل آية بما يناسبها فمثلا فالآية المشهورة عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ـ رضي الله عنهما ـ قالا : كان فيما أنزل من القرآن «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة».
فالحكمة في نزولها أن فيها ردعا شديدا لمن تحدثه نفسه من الشيوخ أن يتلطخ بهذه الجريمة الشنعاء حتى إذا ما تقرر هذا الحكم في النفوس نسخ الله تلاوة هذه الآية وأبقى حكمها لحكمة أخرى وهي للإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة ، حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل ، وسار بها في طريق يشبه طريق المستحيل الذي لا يقع ، كأنه قال : نزهوا الأسماع عن سماعها ، والألسنة عن ذكرها فضلا عن التلوث برجسها (١).
فمن هنا يظهر أن النسخ لم يكن من أجل الفرار من ظاهرة التناقض في القرآن الكريم كما زعموا ولا ضياع شيء من القرآن الكريم ولكنه شرع لحكم وفوائد خفيت على هؤلاء المستشرقين.
الشبهة الثانية :
ذكر «سال» كلاما يوحي أن القرآن الكريم يقول بنسخ الأخبار حيث
__________________
(١) انظر مناهل العرفان ٢ / ٩٠ ـ ٩٣.
![آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره [ ج ٢ ] آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3088_are-almustashriqin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
