علاقة بما صادفه من أشياء غريبة وأخرى عجيبة وشاذة ، بل ومعاينته لأشياء لم يكن ليتوقعها أبدا لأنها لم تدر في خلده من قبل. إن جدة الموضوع عليه كانت مصدرا لصعوبته ، كما كانت في الوقت نفسه مصدرا لإعجابه. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الأرضية الثقافية التي ينتمي إليها محمد الصفار ، أمكننا أن نفهم كيف أن الأشياء غير المعهودة التي لم يسبق له رؤية مثلها كانت موضوع شكه وريبته. وكيف أن الجديد لا يمكن أن يشكل في اعتقاده سوى الخطر المحدق لا محالة. وقد أشار فرانز روزنتال (Franz Rosenthal) ، قائلا إنه في عصر المخطوط يكون «النجاح النهائي للأفكار الجديدة التي لا تتماشى مع الأنماط الفكرية السائدة ... نجاحا غير مضمون. وإذا لم تحظ فكرة جديدة بموافقة مجموعة عريضة من العلماء خلال مدة زمنية وجيزة ، فالأحرى بها أن تدفن في رفوف إحدى المكتبات ، مع وجود آمال ضئيلة في اكتشافها من جديد في وقت لاحق» (١). وفيما يتعلق بشخص وجد نفسه ملزما بكتابة تقرير يتعلق بقضايا معقدة وبأمور غير معهودة ، فإن مسألة الثقة به تبدو غير كبيرة. وحتى يتسنى له ضمان القبول لأفكاره تلك ، كان عليه بالضرورة العمل على صبها في قوالب معروفة ، وتقديمها وفقا للأشكال المعترف بها وقتئذ ، والمقبولة من لدن سدنة الأعراف والتقاليد. وخوفا من أن يكون مآل تقريره هو أن يرفضه السلطان سيده العارف ببواطن الأمور ، فإنه كان على وعي تام بان أفضل وسيلة لبلوغ الهدف هي الالتزام باحترام الأعراف السائدة (٢).
وهنالك ضغوط أخرى كان لها تأثيرها الواضح على محمد الصفار. إذ لا بد من التذكير أن السلطان كان مهتما بالمشروع شخصيا ، مما جعله يرقى إلى مستوى عال من الجدية. ولا يستبعد أن يكون التقرير موضع اهتمام ومناقشة مستفيضة في البلاط السلطاني ، وربما قرأه السلطان مولاي عبد الرحمن شخصيا. وربما كان أيضا البعض من حاشية السلطان من أصدقائه أيام الدراسة ، والبعض الآخر من أفراد الأسرة أو
__________________
(١) Franz Rosenthal, The Technique and Approach of Muslim Scholarship, Analecta Orientalia ٤٢) Rome, ٧٤٩١ (, p. ٧٥.
وكان ذلك هو المصير الذي آلت إليه مخطوطة محمد الصفار. وربما اعتبر السلطان مضمون الرحلة ضمن القضايا السرية للمخزن وقتئذ ، انظر : ٥١٢.Laroui ,Origines ,p
(٢) انظر نماذج من عناوين الرحلات المغربية في ببليوغرافية هذا الكتاب.
