انتهى منه إلى أن التناسل من صنع الذكر والأنثى ، وأن منيهما معا مولّد ، ولا يمكن أن يتم التوليد عن طريق أحدهما دون الآخر (١).
ويظهر أن لفكرة الصورة والمادة شأنا في هذا الموضوع ، فالذكر إنما يمنح الصورة فقط ، والصورة في المذهب الأرسطي فرض لا يكاد يعبر عن شىء واقعى ، فى حين أن الأنثى تقدم المادة وهي محسوسة ملموسة. ومما يلفت النظر في هذا الحوار أن ابن سينا يشير إلى الحيوانات المنوية وإن لم يسلّم بها ، وهذه إشارة ولا شك مبكرة جدا بالنسبة لعصرها ، ولو توافرت له أجهزتنا الحديثة لتأكد منها واستطاع إثباتها (٢).
هذه نماذج من كتاب الحيوان لابن سينا ، وهي ترمز لمادته الوفيرة ، وتعبر عن مدى التقدم العلمى في عصره ، وتؤذن بأن العرب انتهوا في أوائل القرن الخامس الهجرى إلى لغة علمية مستقرة لها دوّالها ومصطلحاتها. وما أشبه هذه المصطلحات بما نستعمله اليوم ، وما أحوجنا أن نعرفها على وجهها. وكثيرا ما استوقف اللفظ اليونانى ابن سينا ، وحاول أن يكشف عن مقابله العربى الصحيح (٣). وإن عز عليه ذلك لم ير غضاضة فى الاحتفاظ بالأصل اليونانى ، وقد لا يكون بين كتبه ما تواردت فيه الألفاظ اليونانية مثل هذا الكتاب ، ذلك لأنه يشتمل على أسماء فصائل من الحيوانات والطيور التي لم تعرف فى الجزيرة العربية. وفي هذا ما ألقى عبئا غير يسير على السادة المحققين ، لا سيما وقد خلّط المترجمون في تعريبهم أحيانا.
ولقد سبق لنا أن أشرنا إلى أن ابن سينا الطبيب والعالم لم يدرس بعد الدرس الكافى ، كما درس ابن سينا الفيلسوف (٤) مع أن طبه وعلمه كان لهما أثر في الشرق والغرب لا يقل عن أثر فلسفته. ونستطيع أن نقرر أن دراسة الحيوان في العالم العربى بقيت عالة عليه وعلى الجاحظ حتى أخريات القرن الماضى.
وقد غذّى كتابه في الحيوان أيضا الدراسات العلمية المبكرة في القرن الثالث عشر الميلادى بباريس وأكسفورد. وكلنا يعلم عناية ألبير الكبير بالتاريخ الطبيعى ، إلى حدّ أنه
__________________
(١) المصدر السابق ، ص ١٤٧ ـ ١٦٤.
(٢) المصدر السابق ، ص ٣٩٢.
(٣) المصدر السابق ، ص ١٢٨.
(٤) د. ابراهيم مدكور ، المعادن والآثار العلوية ، لابن سينا ، القاهرة ١٩٦٥ ، مقدمة ص ه ـ ح.
