ويرى أنه يتحرك حركة غير إرادية ، ويخطئ من ذهب إلى انه عضلة ، وإن كان أشبه الأشياء بها (١).
وقد عنى بالتنفس ، ووضّح جهازه كله ، الأمر الذي فات أرسطو. فعرف القصبة الهوائية ولسان المزمار ، وشرّح الرئتين ، وبيّن شعبهما المختلفة. وأشار إلى وظيفة هذا الجهاز ، وهي إعداد الهواء ليكون صالحا لغذاء الجسم والروح. ويرى أن من حكمة الله أن يكون للمرء رئتان ، بحيث إذا تعطلت إحداهما لا يتعطل التنفس (٢).
وفي ضوء هذا يمكن أن نلاحظ أن ابن سينا ألمّ بالفسيولوجيا القديمة جميعها ، أخذ عن أرسطو ، وأفاد خاصة من كتابيه : «أعضاء الحيوان» ، «وكون الحيوان» ، وهما ينصبان أساسا على الدراسات الفسيولوجية. ولكنه لم يتردد في أن يتدارك بعض ما فاته ، ويصحح قدرا من أخطائه. وآراؤه الفسيولوجية أكمل وأتم من آراء اليونان ، أطباء كانوا أو فلاسفة ، وإن تكن أصبحت إلى حد ما بائدة بعد كشف الفسيولوجيا الحديثة والاستعانة بالآلات والأجهزة العلمية الدقيقة.
وأخيرا سلك ابن سينا أيضا مسلك الجمع والتوفيق في التناسليات وعلم الأجنة ، وإن كان إلى آراء أرسطو أميل. والواقع أن المعلم الأول وضع دعائم هذا العلم ، وانتهى فيه إلى ملاحظات ومبادئ لها شأنها. ففرّق بين الأحياء الولود والبيوض ، وميز بين الخواص الجنسية الأساسية والثانوية. وبيّن أن تكوّن الجنين متدرج ، وشبه نموه بفعل الإنفحة والحميرة ، وحدّد الوظائف الحقيقة للمشيمة والحبل السرى (٣). وقد أخذ ابن سينا بذلك كله ، وعرضه عرضا واضحا مفصلا في المقالات التاسعة والعاشرة ، والخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة.
وأجهد نفسه في أن يصحح ما وقع فيه أرسطو من خطأ ، بزعمه أن المنى للرجل وحده وأن المرأة ليس لها إلا دم الطمث (٤) ، محلولا أن يثبت أنه لم يقل بذلك ، وأن لكل من الرجل والمرأة في الحقيقة منيا وإن اختلف في بعض أوصافه (٥). وصحح أيضا ما ذهب إليه أرسطو من أن الذكر لا يمد الأنثى بشيء ملموس ، ووقف عند هذه النقطة طويلا. وأشار إلى ما شجر فيها من خلاف بين جالينوس والمعلم الأول ، ودخل في جدل مدرسى طويل
__________________
(١) المصدر السابق ، ص ٢٩٠ ـ ٢٩١.
(٢) المصدر السابق ، ص ٢٧٧ ـ ٢٨٢.
(٣) سارتون ، تاريخ العلم ، القاهرة ١٩٦١ ؛ ج ٣ ، ص ٢٦٩ ـ ٢٧٠.
(٤) ابن سينا ، الحيوان ، ص ١٤٤ ـ ١٤٥.
(٥) المصدر السابق ، ص ١٤٥.
