لسر الله في خلقه ، وتفسيرا لأسباب الوجود. ويذهب إلى أن هناك ثلاثة اعضاء رئيسة ، أو كلية على حسب تعبيره أيضا ، هى مبادئ القوى الضرورية لبقاء الشخص والنوع ، وهي القلب مبدأ قوة الحياة ، والدماغ مبدأ قوة الحس والحركة ، والكبد مبدأ قوة التغذية (١). ولكل عضو من هذه خدّام ، فخادم القلب الرئة والشرايين ، وخادم الدماغ أعضاء الغذاء والعصب ، وخادم الكبد المعدة والأوردة (٢). ويصحح بهذا الخطأ الذي وقع فيه أرسطو من قصره وظيفة المخ على تبريد القلب بما يفرزه من البلغم الذي يحول دون زيادة الحرارة عن القدر اللازم (٣).
ويعطى ابن سينا صورة واضحة عن الجهاز الهضمى ، فيشير إلى ما للفم والأسنان فيه من أثر ، ويعد المعدة مطبخ الطعام (٤). وقد عرف المريء والحجاب الحاجز ، والاثنا عشرى ، وفتحة البواب ، والبنكرياس (أبقراس) ، والأمعاء الدقيقة والغليظة (٥). وبيّن ما للعصارات من أثر في إتمام الهضم ، وبخاصة المرارة (٦).
ويقول مع أطباء اليونان الأول بالروح الحيوانى (الإبنيما) ، وهو جسم بخارى لطيف يتدفق في الأعصاب ، وينتشر في الجسم جميعه. يخرج من القلب ويمتد إلى سائر الأطراف ، وكأنما يسير مع الدم في الشرايين والأوردة (٧). وهذا هو الذي عوّل عليه في تفسير الصلة بين الجسم والنفس (٨). ولعل هذا الروح هو الذي صرف القدامى عن فهم الدورة الدموية على وجهها. ويعقد ابن سينا فصلا لبيان الخلاف بين الفلاسفة والأطباء في أمر مبدأ الدم ، فيرى أفلاطون وأرسطو أن القلب مبدؤه ، ويذهب الأطباء المعتد برأيهم إلى أن مبدأه الكبد (٩). وينضم ابن سينا إلى الفلاسفة ، وإن كان يرفض ما ذهب إليه المشاءون من جعل القلب مبدأ القوى النفسية ، ويرد هذه مع الأطباء إلى الدماغ (١٠). وقد أشرنا من قبل إلى أنه شرّح القلب تشريحا دقيقا ، وفرّع منه الشرايين ، والأوردة.
__________________
(١) المصدر السابق ، ص ١٥.
(٢) المصدر السابق ، ص ١٥.
(٣) Aristo\'e ,Les Parties des Animaux ,P.٦٥٢ b.
(٤) ابن سينا ، الحيوان ، ص ٢٩٢.
(٥) المصدر السابق ، ص ٢٩٥ ، ٢٩٦.
(٦) المصدر السابق ، ص ٣٢٠.
(٧) المصدر السابق ، ص ٢٢٤ ـ ٢٢٦.
(٨) د. إبراهيم مدكور ، فى الفلسفة الإسلامية ، القاهرة ١٩٦٨ ، ص ١٧٠ ـ ١٧٤.
(٩) ابن سينا ، الحيوان ، ص ٣٩ ـ ٤٦.
(١٠) المصدر السابق ، ص ٤٠.
