ويلتقى أيضا مع المعتزلة الذين رأوا في دراسة الحيوان بابا من أبواب إثبات حكمة البارئ وعظمته.
(ج) كتاب الحيوان لابن سينا
هو الفن الثامن والأخير من فنون طبيعيات الشفاء ، من أكبرها حجما ، بل هو أكبر من الإلهيات ، وهي قسم رئيس من أقسام الشفاء الأربعة. يشتمل على تسع عشرة مقالة ، وتحت كل مقالة فصل أو أكثر ، وأطولها المقالة الثالثة عشرة التي تتضمن خمسة عشر فصلا. ولأمر ما قسمه ابن سينا إلى تسع عشرة مقالة ، وكأنما شاء أن يحاكى كتاب «الحيوان» لأرسطو على نحو ما عرفه العرب.
والواقع أن الكتابين يلتقيان شكلا وموضوعا ، فتقسيمهما وتبويبهما غير منسّق ، ولا يخلوان من تبعثر وتكرار. وقد يغفر لأرسطو ما لوحظ في كتبه البيولوجية من توزع وتشتيت ، لأنه لم يضعها في صورتها النهائية ، ولم تخل من تدخل التلاميذ في بعض أجزائها. أما ابن سينا المعروف بحسن التقسيم والتبويب ، والذي كان يدوّن كتبه بنفسه أو يمليها على تلميذه المخلص الجوزجانى (١) ، فإن كتابه في الحيوان يخرج على مبادئ منهجه العام. فهو يعالج الموضوع الواحد في أكثر من موضع (٢) ، ولا يحاول أن يوفى كل فصيلة من فصائل الحيوان حقها دفعة واحدة. وهكذا كان يفعل أرسطو ، وفي كتبه الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل تكرار وتداخل. وكأن عدوى من هذا سرت لابن سينا ، وفي كتابه أجزاء يمكن أن ترد إلى طبائع الحيوان ، وأخرى إلى أعضاء الحيوان ، وثالثة إلى كون الحيوان. ويقنع ابن سينا في عناوينه لبعض الفصول بقوله : «فى مثل ذلك (٣)» أو «فى قريب من المعنى الذي يشتمل عليه الفصل الذي قبله (٤)» وقد سبقه أرسطو إلى شىء من هذا في بعض عناوينه غير المعبّرة (٥).
ومن الناحية الموضوعية ، يكاد يقوم كتاب الحيوان لابن سينا أساسا على كتب أرسطو الثلاثة السابقة ، يأخذ عنها ويصرح بذلك في وضوح ، ولا نظنه ذكر اسم المعلم الأول في مؤلف آخر قدر ما ذكره في كتابه هذا. ويصرح تلميذه الجوزجانى ، بأنه «حاذى في
__________________
(١) ابن سينا المدخل ، القاهرة ١٩٥٢ ، ص ٢.
(٢) ابن سينا كتاب الحيوان ص ٣٩ ، ٥٤ ، ٦٧ ، ٣٣٠ ، ٣٣٨ ، ٣٩٦.
(٣) المصدر السابق ص ١٣٧.
(٤) المصدر السابق ١٠١.
(٥) Aristote ,Histoire des Animaux ,P ,٦٤١ b.
