عليه قوانين التغير والحركة ، ونظرية الحار والبارد ، والرطب واليابس. ولا يرى ضرورة لشرح تلك القوانين والنظريات هنا في تفصيل ، بعد أن وفاها حقها في مظانها (١) وعلم الأحياء عنده وثيق الصلة بعلم النفس أيضا ، وهما معا جزءان من الطبيعيات ، والنفس مبدأ الحياة والحركة في الحيوان والإنسان. ويعقد عدة فصول للجهاز العصبى ويبين أثره في الإحساس والإدراك. ويغذّى ذلك كله بمعلوماته الطبية الوفيرة ، وكثيرا ما يرجع إلى جالينوس ويحتج به ، ويسميه «محصّل الأطباء (٢)».
والواقع أن أرسطو أخذ كثيرا في دراساته البيولوجية عن الأطباء السابقين برغم معارضته لهم أحيانا ، وفي مقدمتهم أبقراط وإن لم يصرح باسمه. أما ابن سينا فهو طبيب قبل أن يكون عالم أحياء ، ولطبه شأن كبير في دراسته البيولوجية. وفي الكتاب الذي بين أيدينا فصول أقرب إلى الطب منها إلى علم الأحياء ، ونصيب الإنسان فيه يزيد دون نزاع عن نصيب الحيوانات المختلفة. فيشرح فيه الهيكل العظمى للإنسان شرحا مفصلا ، ويعرض جهازه الهضمى والتنفسى عرضا مستفيضا (٣). ويعنيه الجهاز التناسلى وعلم الأجنة عند الإنسان أكثر مما يعنيه عند الحيوانات الأخرى (٤). ومع هذا إن اختلف الطب والفلسفة ، كان إلى الفلسفة أميل. وسنرى بعد قليل موقفه من أرسطو في خلافه مع الأطباء حول وظيفة القلب ، وأثر الذكر والأنثى في التوالد والتناسل (٥).
ويأخذ ابن سينا أخيرا بالغائية أخذا مطلقا ، ويرى أن أجزاء الكائن الحى تتضافر على تحقيق أعظم نفع له ، وأن في الطبيعة دقة وإبداعا يحس بهما من تذوقهما ، وهي لا تخلق شيئا عبثا. وفي عالم الأحياء آيات باهرة تدل على جلال الله وعظمته «تبارك الله أحسن الخالقين (٦)». لكل حي ، بل لكل عضو من أعضائه منفعة ، وإن خفيت علينا أحيانا ، ويجهد ابن سينا نفسه في الكشف عن هذه المنافع وتسجيلها. ونحن نعلم أنه من المتفائلين. يذهب إلى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ، وأن عالمنا خير عالم ممكن ، ويحل «مشكلة الشر» حلا يذكّرنا بما ذهب إليه ليبنتز في التاريخ الحديث (٧). ويلتقى فى هذا مع أرسطو الذي يقرر أن في الطبيعة جمالا لا يقل عن جمال قطع الفن الخالدة (٨).
__________________
(١) المصدر السابق ، ص ١٨٨.
(٢) المصدر السابق ، ص ٢١٠.
(٣) المصدر السابق ، ص ٢٤٢ ـ ٢٤٦ ، ٢٧٧ ـ ٢٨٤.
(٤) المصدر السابق ، ص ١٦٤.
(٥) المصدر السابق ، ص ١٦٤ ـ ١٧٢.
(٦) المصدر السابق ، ص ٢٤٧ ، ٣٠٠.
(٧) ابن سينا ، الإلهيات القاهرة ـ ١٩٦٠ ج ٢ ، ص ٤١٤ ـ ٤٢١.
(٨) Aristote ,Les parties des Animaux ,٦٥٤ a ٢٣ ـ ٢٨.
