وليس لمصنفه الجغرافى أية علاقة برحلاته بل يرتبط بدراساته وقراءاته ويحمل عنوان «كتاب الجبال والأماكن والمياه» ؛ وهو على هيئة معجم جغرافى من طراز معجم البكرى تقريبا. والزمخشرى وإن لم يكن على علم بهذا المعجم الأخير إلا أن مصادرهما واحدة وهى معاجم لغويى القرن التاسع التى تبين مواقع الأماكن الجغرافية فى الجزيرة العربية مما ورد ذكره فى الأشعار وفى النثر العربى المبكر. والفرق الأساسى بين البكرى والزمخشرى هو أن الأول كان يستهدف فى الغالب الناحية الأدبية اللغوية بينما أولى الثانى اهتمامه إلى التفسير فجهد قبل كل شىء فى ضبط الأعلام الجغرافية الواردة فى السيرة النبوية والقرآن والحديث.
ولقد كانت زيارته لجزيرة العرب ذات قيمة كبرى فى اضطلاعه بهذا العبء ، بل إن فكرة وضع مصنف من هذا النوع قد نشأت لديه هناك وشجعه عليها شريف مكة آنذاك ، وكان رجلا مولعا بالكتب وعلى معرفة جيدة بالحجاز فقد زار معظم مواضعه الهامة (١٧) لذا فإن أكثر مادة الزمخشرى تفصيلا هى المتعلقة بجبال الحجاز وأوديته ومياهه ؛ والمؤلف يرجع فى معظم الحالات إلى رواية الأمير المذكور (١٨). وقد ترك هذا أثره على جميع الكتاب فالأعلام التى استوفيت فيه استيفاء تاما هى مواضع الجزيرة العربية وحدها ، وأندر من ذلك بكثير تظهر مواضع فلسطين والشام والعراق ومصر ، وبصورة استثنائية إيران وماوراء النهر ؛ هذا بينما لا يرد أى ذكر للأندلس أو الهند. وباستثناء الحالة التى أشرنا إليها فإن جميع مصادر الزمخشرى تكاد تكون مصادر مكتوبة وهى تمثل فى جوهرها مصنفات اللغويين الذين عالجوا هذا الموضوع قبله (١٩).
بهذا تتحدد قيمة كتاب الزمخشرى بالنسبة لنا ولذلك فمن العبث البحث فيه عن أية مواد تتعلق بمناطق قريبة من موطنه كخوارزم وآسيا الوسطى ، إذ أن اهتمامه فى الواقع قد اتجه إلى ناحية أخرى. ولدى مقارنته بالبكرى تبدو مادته أقل تفصيلا ؛ وفقط من وقت لآخر تظهر لديه قراءات أفضل للأعلام الجغرافية. وقد عرف ياقوت كتابه وأثنى عليه (٢٠) ، ولكن لا يخلو من مغزى أنه لم يضمه إلى مجموعة المصنفات المكرسة لجزيرة العرب وأنه قلما ينقل عنه (٢١). لهذا فليس غريبا ألا نلتقى به إلا نادرا حتى فى المراجع العلمية الحديثة بالرغم من وجود طبعة له لا بأس بها صدرت منذ عام ١٨٥٦ وقام بتحضيرها سالفردا دى غرافه Salverda de Grave تلميذ يينبول T.G.J.Juynboll (٢٢) ؛ وقد زود هذا الأخير تلك الطبعة بتحليل دقيق لمادتها ؛ وبحسب رأيه فإن مصنف الزمخشرى لم يكمل وأن مؤلفه لم يصغه الصياغة النهائية (٢٣).
ولحسن الحظ لم يكن جميع مواطنى الزمخشرى قليلى الاهتمام بموطنهم مثله ، ويمثل طرف نقيض له فىهذا الصدد معاصره الأصغر منه سنا أبو سعد عبد الكريم السمعانى (٥٠٦ ه ـ ٥٦٢ ه ـ ١١١٣ ـ ١١٦٧) (٢٤) من أهالى مرو ؛ وقد اشتهر فى الدوائر العلمية الإسلامية كمفسر وعالم بالحديث ولكن
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)