وإلى تفصيل حاله في بعثته ورسالته : (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ. فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ).
__________________
ـ بالله والتصديق به واتباعه ثلاثا وثلاثين سنة ، فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه الا رجلان ، اسم أحدهما روبيل والآخر تنوخا ، وكان روبيل من اهل بيت العلم والنبوة والحكمة ، وكان قديم الصحبة ليونس بن متى من قبل ان يبعثه الله بالنبوة ، وكان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا منهمكا في العبادة ، وليس له علم ولا حكم ، وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوت منها ، وكان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه ويأكل من كسبه ، وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته. فلما رأى ان قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون ضجر وعرف من نفسه قلة الصبر ، فشكا ذلك الى ربه ، وكان فيما شكى ان قال : يا رب انك بعثتني الى قومي ولي ثلاثون سنة فلبثت فيهم ادعوهم الى الايمان بك والتصديق برسالتي وأخوفهم عذابك ونقمتك ثلاثا وثلاثين سنة فكذبوني ولم يؤمنوا بي وجحدوا نبوتي واستخفوا برسالتي وقد توعدوني وخفت ان يقتلوني ، فانزل عليهم عذابك فإنهم قوم لا يؤمنون ، فأوحى الله الى يونس : ان فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين وانا الحكم العدل سبقت رحمتي غضبي لا اعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك ، وهم يا يونس عبادي وخلقي وبريتي في بلادي وفي عيلتي ، أحب ان أتأناهم وارفق بهم وانتظر توبتهم ، وانما بعثتك الى قومك لتكون حيطا عليهم تعطف عليهم سخاء الرحمة الماسة منهم ، وتتأناهم برحمة النبوة ، فاصبر معهم بأحلام الرسالة ، وتكون لهم كهيئة الطبيب المداوي ، العالم بمداواة الدواء ، فخرجت بهم ولم تستعمل قلوبهم بالرفق ، وتسسهم بسياسة المرسلين ، ثم سألتني مع سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك ، وعبدي نوح كان أصبر منك على قومه وأحسن صحبة وأشد تأنيا في الصبر عندي ، وأبلغ في العذر ، فغضبت له حين غضب لي ، واجبته حين دعاني ، فقال يونس : يا رب انما غضبت عليهم فيك ، وانما دعوت عليهم حين عصوك ، فوعزتك لا انعطف عليهم برأفة أبدا ، ولا انظر إليهم بنصيحة شفيق بعد ـ
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
