(ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)؟ أبحكم العقل أو العدل يسوى بين الفريقين؟ كلا! (أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ)؟ : هكذا حكم خاطئ ، لا يقبله عدل ولا عقل ، ولو كان فهو كتاب مجنون ظلوم يحكم : (إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ) : كما تهوون ، (أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ) : أن الله حلف لكم بحريتكم في هكذا حكم لا يمضيه عقل ولا عدل؟
(سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ) : يزعمه عن الله لنفسه. أو عن العقل أو كتاب من الله ، وهو تهكم ساخر عميق ، أنيق بليغ يذيب القلوب حرجا .. وإذ ليس هذا الحكم لا إلهيا ولا بشريا ، فهل هو من شركاء لهم : (أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ)! شركاء لهم عندهم براهين أخرى على هذه الدعوى الزور الغرور؟ أم شركاء يزعمونهم أنهم آلهة من دون الله يسوون بينهم وبين المسلمين؟ أم شركاء يزعمونهم شفعاء عند الله يشفعون لهم في هذه التسوية الظالمة غير العادلة ، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في دعواهم ، صادقين في كيان الشركاء وصدقهم ، وأنّى لهم ذلك!
فهكذا حكم لا يملك من صنوف البراهين أيا كان ، وإذ لا ينتبهون هنا فسوف يعلمون :
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) :
من عادة الناس أن يشمروا عن سوقهم عند الأمور الصعبة ، التي تتطلب المعاركة ، ويفزع عندها إلى الممانعة ، فتشمير الذيول حينذاك أمكن للقراع ، وأصدق للمصاع ، كذلك وأحرى عند هو الأمر وشدته ، وعظم الخطب وفظاعته ، وعلى حد تفسير الإمام الصادق عليه السلام في الآية : أفحم القوم ودخلتهم الهيبة وشخصت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر شاخصة أبصارهم ترهقهم ذلة
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
