كأنهم يفرون من أسد (وَهُمْ يَتَخافَتُونَ) : تخافتا في الإقدام وفي الكلام ، وتخافتا في وطء الأقدام ، سدا لباب الاطلاع ، وصدا عن دخول المساكين : (أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) : الذي أسكنه العدم عن حركات الحياة ، فلا يتحرك إلا بغية تحصيل بلغة العيش ولقمته ، فهؤلاء اللئام يحتالون هذه الحيل ، كيلا يفاجئهم مسكين ، ففاجأهم قبل صرمهم صرم من رب العالمين ، فأصبحت كالصريم! (وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ) : غدوا أمام أملهم الوحيد (عَلى حَرْدٍ) : منع عن حدة وغضب ، ممتنعين من تناول الثمر وصرمه إذ وجدوه صريما ، (قادِرِينَ) : لم يمكنهم صرمه وهم قادرون عليه لو كان ، فلم يمنعهم عجزهم عن صرمه إلا انصرامه قبلهم فما ذا يصرمون؟ ، وقادرين على منع الفقراء بهذه الحيلة لولا الصرم الإلهي ، فهم على قدرتهم في الصرم وفي منع الفقراء ، امتنع لهم صرم الثمرة بانتفاء الموضوع! (وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ) منع للمساكين ـ (قادِرِينَ) : مقدرين أنهم سيصرمونها ويمنعونها المساكين ، (فَلَمَّا رَأَوْها) : الجنة (قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) : عن الصواب في غدوّنا هكذا ، أو ضللنا عن طريق جنتنا! إذ لم تكن تشبه جنتهم ولا أية جنة! ثم نظروا إليها ثانية فتأكدوا أنها هي ، ولكنها ـ ويا للعجب ـ صريمة خاوية على عروشها ، فعدلوا عما احتملوا من ضلال الطريق ، إلى ضلال الصراط ، وهو الحرمان الإلهي عما أملوا : (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) هذا هو الخبر اليقين ، وقد حاقت بهم عاقبة البطر والمكر ، ثم حاق بهم التنديد الشديد من أوسطهم : أعدلهم وأعلمهم في الرأي ، بين مفرطهم ومفرطهم :
(قالَ أَوْسَطُهُمْ : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ) : وهنا يفتحون الآذان للناصح وقد فات الأوان ، (لَوْ لا تُسَبِّحُونَ) : ولم يكن منهم من عدم التسبيح إلا ترك الاستثناء في حيلة ومحاولة حمقاء ، فتنزيه الرب تعالى في صفاته ، من لزامه الاتكال عليه ، والاستثناء بمشيئته : (إِنْ شاءَ اللهُ) فعدم الاستثناء بالمشيئة استقلال لمشيئة العبد ، وشركة مع الله في المشيئة المستقلة ، وتنزيهه تعالى فيما سن من أحكام العدل ، وتطبيقه ، ومنه الاستثناء للفقراء ، فعدمه شركة معه في
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
