قسما بهذه العطية الربانية التي ما لها من فواق ، وهي تشهد لوفور عقلك ورجاحته على عقول العالمين :
(ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) : ان النبوة المحمدية وهي أعظم النعم الروحانية الإلهية ، إنها برهان على أنك العقل كله ، فكيف يفترى عليك بالجنون ، فمهما كانت النبوة بذاتها خفية ، ولكن آثارها المسطورة بأقلام الألسن وسواها ، تدل عليها ، فهل يا ترى إن عقل الوحي يجنن؟ ومن رشحاته تكمل العقول الناقصة ، وتتكامل العقول الراجحة! وعلى أضوائه يعرف الغث من السمين ، والخائن من الأمين! .. (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) : بسببها أو مصاحبتها : (بِمَجْنُونٍ) فنعمة الوحي لا تصاحب الجنون ولا تسببه.
فهل هذا من حكم العقل السليم : أن نعمة النبوة تسبب الجنون أو تصاحبه ، فهل يا ترى إن التحلل عن وحي السماء يمنع الجنون ويسبب العقل؟ فما نسبة الجنون إلى صاحب الوحي إلا نسبته إلى الموحي! فهل الله أيضا مجنون؟. وما هذا الهراء إلا كالقول : إن صاحب المليار فقير ، وحامل العلم جاهل!
عجبا من هؤلاء الذين كانوا يرون محمدا قبل النبوة أعقل العقلاء ، فلما اتصل عقله بخالق العقل وحيا قالوا : إنه لمجنون ، ولكي ينفّروا الناس عنه.
إن العجب ليأخذ كلّ من درس عن سيرة الرسول (ص) شيئا ، من تقوّلهم هذا عنه : مجنون وهم الذين عرفوه برجاحة العقل بينهم حتى حكموه في رفع الحجر الأسود قبل النبوة بأعوام ، ولقّبوه بالأمين ، ولكنما الحقد يعمي ويصم ويقذف بالفرية دون حساب.
(وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) : غير مقطوع عنك ولا ممنون عليك ، رغم المنة الإلهية في نعمة النبوة على النبيين وعلى الخلق أجمعين ، ولكن أجرك ـ وهو فوق أجور الخلائق ـ لا يمن به عليك ، ولأنك صبرت على الأذى ، واستقبلت كل لظى في سبيل الدعوة ، بخلق عظيم ، وليس عدم المنة عليه لأنه
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
