ف (ن) هو النبي ، وهو النهر المداد ، فهو النبيون أجمع ، وقرآنه هو الكتب أجمع.
(وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) : قسما بالقلم : آلة الكتابة أيا كانت ، وبما سطر به من وحي على لوح قلبك المنير ، وعلى حد تعبير الرسول (ص) نفسه في الآية : «لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» (١) ، وقسما بأقلام أنوار الوحي كلها ، وأقلام الإلهام التي تكتب الإيمان والتأييد في قلوب المؤمنين : (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) وأقلام الرحمة الرحمانية العامة للعالمين ، وكالأقلام الضوئية والصوتية ، وأقلام التصوير في الأرحام ، وأقلام القضاء والتقدير ، وأمثالها من أقلام تسطر ما يصدر عن مصدر الوحي : تكوينا وتشريعا ، تكليفا وسواه.
ثم الدرجة النازلة من القلم هي أقلام الكتّاب منا ، وهي من أكبر النعم الإلهية ، والكتابة عنصر أساسي في النهوض بمهمة القيادة الصالحة الرشيدة ، يقسم الله هنا ـ ضمن ما يقسم ـ بقلمها بين الأقلام ، فيمن؟ في الأمة التي لم تكن آنذاك تتجه إلى التعلم عن هذا الطريق ، وكانت الكتابة فيها متخلفة نادرة! وفي الدور المقدّر فيه للرسالة الإسلامية : نقل هذه الأمانة الكبرى وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء البسيطة!
ففيه تنويه مليح بقيمة الكتابة ، وإيحاء بنفي تهمة الكتابة والاكتتاب عن محمد الأمي : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) فدفع تهمة الاستكتاب والاستنساخ واجب مبدئي لهذه الرسالة السامية ، فأميته قبلها ، هي من فضائله ، وإن كان أخذ يكتب ويقرأ منذ الرسالة إلى أن قضى نحبه!
__________________
(١) الدر المنثور ٦ : ٢٥٠ عنه (ص) في قوله تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ).
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
