أفصبرا على الجوع المنهك المهلك ولحد الموت؟ فلا موت هنا ولا فوت ، أم لو قدر على الصبر فلا يطعم الزقوم؟ إنه طعامه شاء أم أبى! فليس طعام الإكرام حتى يختار ، إنه طعام العقاب فلا بد منه ولو يحتار ، وكذلك طعام الدوام في العذاب فليأكله بالإجبار ، فالضالون المكذبون إذا بين واجبين أمام ذلك الطعام ، ذاتي ضرورة الحاجة إلى الأكل ، ومفروض ضرورة العقاب والبقاء إلى أجل مفروض.
ومما يوحي باضطرارهم الثانوي في أكله (فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) فالأولى منه يفرض ما يبقي الرمق لأملأ البطون.
ثم أن ثالوث : حرارة الجحيم ، وشائكة الزقوم للحلوق والبطون ، وملأ البطون ، لتدفع إلى الماء ، فترى ماذا يشربون؟ :
(فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) : الماء البالغ الحرارة : (وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ) (٤٧ : ١٥) وبعد ما تقطعت وتفسخت بالزقوم ، عذابا فوق العذاب ، وترى ـ إذا ـ يشربون منه قليلا؟ كلا :
(فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) : الهيام داء يأخذ الإبل من العطش (١) ، فالهيم هي الإبل المراض المصابة بداء الاستسقاء وفي الرمضاء ، إذ لا تكاد ترتوي من الماء ، فهم ـ إذا ـ بطونهم مليئة من الزقوم ثم من الحميم ، عذابا دائبا لا يخف ، ولا يخف عن العطش والجوع ، رغم مليء الطعام ومليء الشراب دونما انقطاع.
__________________
(١) وقد يسمى كل من ، أو ما يشرب الماء الكثير ، هيما كتلال الرمول الساخنة من حر الشمس ، فإنها أيضا هيم لا تروى من الماء ، وكما يروى عن الإمام الصادق (ع) قال : ثلاثة أنفاس في الشراب أفضل من نفس واحدة في الشرب ، ويكره أن يشبه بالهيم ـ قيل وما إليهم؟ قال : الرمل ، وفي نقل آخر عنه : هي الإبل ، وهو الموافق لأصل اللغة.
(الفرقان ـ ٦)
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
