أما حفصة فقد أطالت لسانها عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم وجاسرت بما لا يجوز ، وأذاعت سره صلّى الله عليه وآله وسلّم وأما عائشة فقد زاملتها في المعركة النسائية الطائشة عليه ، وعلّ منها إذاعة هذا السر لبقية النساء وأمورا مثلها ، وأصبحتا تنويان المظاهرة عليه ، أن ترأسا مسيرة ضارية مفصحة من كتلة النساء على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهذه مما تمس من كرامة النبوة أن ينبع فوار الثورة عليه من عقر داره ، ولهذا وذاك كان حلفه على ترك مارية كيلا تعقبه وتلاحقه هذه العقبات.
(فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) : مالت قلوبكما عن الحق والاستقامة حيث آذيتما النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والقلب الصاغي المقلوب بحاجة إلى توبة ، وهذا بالنسبة لقلب الروح المستكن في قلب الجسم ، فطالما القلب يصغو او ينجرف روحيا فهو لا يخرج عن نياطه ولا يزول عن مناطه قالبيا.
وهنا «قلوبكما» لامرأتين اثنتين ، دون «قلبا كما» لأن كل شيئين من شيئين تجوز العبارة عنهما بلفظ الجمع ، كما وانهما جمع لغويا : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) والمقصود قطع يمينهما .. هذا وإن كان يجوز العبارة عنهما بالتثنية أيضا ، وعلّ هنا نكتة زائدة هي ضم قلوب سائر نسائه الصاغيات معهما إليهما ، ولأنهما أساس المظاهرة ورأس المشكلة ، ضمت قلوب الهامشات الى هاتين المتنين ، كما وان توبتهما الى الله توبة لهن جمعاء إذ يسمعن لهما.
فأنتما بين حالتين لا ثالث لهما : التوبة الى الله لإصلاح القلوب الصاغية المائلة عن الله ، وهذا طريق الجنة ، او المظاهرة على الله فإلى النار :
(وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) :
حملة عنيفة هائلة بعد ما مضى ، ندرك منها عمق الحادث ومدى أثره في قلب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وضرره عليه ، وشرره على كرامته ، لحدّ يعلن الله تعالى فيها
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
