صفحة من الحياة البيتية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تفتحها هذه السورة في مفتتحها ، أنه كيف كان يحافظ على كرامة النبوّة ، لحدّ تحريم بعض ما أحلّ الله له لكيلا يقع في مآزق المظاهرات المهرجة المحتالة النسائية فيخفّ من كيانه الرسالي ، وأن الله تعالى يرجعه الى حلّ ما حرّمه على نفسه ويكفيه شر المظاهرات من نسائه.
إنه لم يكن التحريم هنا تشريعا منه عاما ينافي ما أحلّه الله ، وهو رسول الله لا يصدر إلا عن الله! وإنما تحريم عملي بالحلف على ترك شيء من الحلال الخاص له ، مغبة مرضات
أزواجه ، فرارا عن مظاهرتهن عليه ، لكيلا يكدّرن جوّ بيت النبوة السامية ، فقد عمل واجبه حسب حالته الحاضرة ، حتى آمنه الله بالوحي وكفاه ما يهابه ورجعه الى الحلّ وأن يكفّر عن يمينه وقد فعل.
أجل تحريم عملي بطريقة الشرع وبدافع شرعي (١) ، ف (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ) دون «الرسول» يوحي أنه لم يكن تحريما رساليا ، إنما كنبي رفيع المنزلة ، يحرم حفاظا على نبوته ورفعته ، وإيحاء ثان يؤيده (أَحَلَّ اللهُ لَكَ) ، فالتحريم أيضا كان على نفسه دون الآخرين ، وثالث (تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) إذ يحصر التحريم اندفاعا عن الأزواج ، ودفاعا عن كيانه إذ هددنه بالمظاهرة عليه وندد بهن الله بالعذاب والطلاق (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ...) (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ ...) فقد حرم على نفسه لذة نسائية محللة
__________________
(١) كما في بعض الآيات ومنها : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ» (٤ : ٨٧) «وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ» (٢٨ : ١٢) فان الرضاعة لموسى من غير أمها ما كانت محرمة في شريعة الله ، ولا على موسى إذ كان رضيعا لم يبلغ بعد .. وإنما التحريم واقعيا بمعنى الحرمان العملي ، فقد قدر الله تعالى لموسى أن يتمنع عن سائر المرضعات ، وألقى في قلب فرعون ان يختار امه دون معرفته.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
