وهي الصادرة عن الظالمين ، فما لم يأذن الله لا يصاب المظلوم ، وإذ يصاب فليس ظلما من الله أو جزاء ، وإنما تحقيقا للتخيير ، ورفضا للتسيير في الخير وفي الشر سواء.
فليس الإذن ـ كما يزعم ـ هو السماح التشريعي فحسب ، او لفظة القول التكويني فحسب ، وإنما هو التنفيذ عن علم ، الشامل للقول المؤذن بالسماح ، او الآمر به ، والفعل المنفّذ له : تكوينا (وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) (٨٤ : ٢) او تشريعا (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) (٩ : ٤٣).
فالألوهية المطلقة الشاملة لكل مألوه ، لزامها أن لا يصدر شيء من الأمر إلا بإذن الله ، دون استقلال لسواه ، ثم الإذن تكوينا فيما نهى الله عنه ، يعني أنه لا يحول بينه وبين فاعله ، ويريد حصوله منه بعد ما اختاره ، دون إجبار ، فهو أولى بسيئاته من الله ، والله أولى بحسناته منه ، إذ يأمر بها ويريدها ويوفق لها ويزيد ، ولكنه ينهى عن السيئات ولا يوفق لها ولا يزيد.
والصبر المأمور به في المصائب لا يشمل تلك التي تصيب ظلما من الظالمين ، فالواجب مكافحتها قدر المستطاع ، وإنما يختص بالتي أذن الله بها جزاء وفاقا ، أم حتم الله كالأجل المحتوم ، وهذا هو مقتضى الإيمان الصحيح (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ) هكذا (يَهْدِ قَلْبَهُ) للشكر عند الرخاء ، والصبر عند البلاء ، ويشرح صدره ، ويفتحه على الحقيقة اللدنية المكنونة ، ويصله بأصل الأشياء والأحداث ، فيرى مناشئها وغاياتها ، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ومن ثم يطمئن فيزداد إيمانا (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فيزوّد المؤمن من علمه ، ويطمئنه من فضله.
وهداية القلب هنا هي زيادة الإيمان جزاء من الله على الإيمان الاختياري ، وما أحلاه جزاء في الدنيا ، وليستعد لجزائه الأوفى في الآخرة!.
وفي عموم إذن الله للإصابات كلها إيذان للكافرين القائلين : لو كان ما عليه
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
