(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) : وقد تكرر هذا الجمع في القرآن ، وإنه لفصل القضاء: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ) (٤٢ : ٧) : يجمع الله فيه المكلفين بمختلف درجاته ، بكل الدواب ، سواء من هذا النسل الأخير ، إنسانيا وسواه ، أم سواه من الأنسال المنقرضة قبله.
وهنا يومان وجمعان كما في النص ، يوم جمع أول هو جمعهم في الإحياء : قيامة الإحياء : (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ) ، ويوم جمع ثان هو الهدف الأصيل للأول ، جمع الأحياء للحساب والجزاء الوفاق ، فالقيامة أيام ثلاثة : قيامة الإماتة ، وقيامة الإحياء ، وقيامة الحساب الجزاء ، وفي كلّ منها جمع.
(ذلِكَ) اليوم العظيم المحتد ، البعيد المدى ، الذي لا حاكم فيه إلا الله (ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) والغبن أن تبخس صاحبك في معاملة بينكما بضرب من الإخفاء ، فالتغابن هو التباخس خفيا ، فمن هم المتغابنون يوم الجمع ، وكيف يتغابنون؟
هل إنهم رؤوس الضلالة وأتباعهم ، أن يحاول كل أن يبخس صاحبه فيتبرء؟ : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (٢ : ١٦٧) (وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ) (٤٠ : ٤٨).
فهذا يوم التغابن بينهم في النار يوم القرار ، كما تغابنوا يوم الدنيا ، إذ أضل المضلون أتباعهم غبنا وحيلة ، وأضلهم أتباعهم باتّباعهم فازدادوهم استكبارا وغيلة ، فكانت حياتهم بينهم حياة التغابن ، ولكنه يظهر يوم الدين دون خفاء ، مهما كان خفيا يوم الدنيا.
أو أنه التغابن بين الله والكافرين به؟ فهم كانوا مبتهجين يوم الدنيا بتخلفاتهم ،
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
