فلو كان يعي القرآن ويعرف البيان لخشع في سماعه قلبا وقالبا ، ولتصدّع من عظم شأنه على غلظ أجرامه وخشونة أكنانه (١) ، فالإنسان الواعي أحق بذلك وأحرى ، إذ كان واعيا لقوارعه ، عارفا ببوارعه ، عالما بصوادعه ، فيا للإنسان غير الخاشع ولا المتصدع من قلب قاس دون حراس ولا اكتراس : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٢ : ٧٤) فما أعجب وأخرى حال أهل المشاقة والعناد ، وما أكثرهم من عتاد ، لا تلين قلوبهم لذكر الله ، فلا يخشون ولا يخشعون! (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ) (٣٩ : ٢٣) فالذين يحسون ويلمسون شيئا من مس القرآن في كيانهم ، هؤلاء يتذوقون تلك الحقيقة المشعة التي لا يعبر عنها إلا هذا النص القرآني المجيد ، فإن لهذا القرآن سلطانا على القلوب غير المقلوبة ، لا تثبت له إلا أن تتفتت وتهتز هزات وتحوّلات لا قبل لها ، يحوّلها عن قلب التراب إلى مجلى أسماء وصفات رب الأرباب ، تخلية لها عما سواه ، فتجلية بالله ، (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فيتذكرون بها لما يتوجب عليهم أن يكونوا وجاه هذا القرآن.
إن هذا القرآن شفاء للقلوب وللقوالب أيضا وكما يروى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : «إن جبرئيل لما نزل بها قال لي ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السأم والسأم الموت» (٢) ومن أشفى الشفاء لما في الصدور الآيات التي تحمل التعريف
__________________
(١) فالفرق بين الخشوع والخشية ان الأول للقوالب والثاني للقلوب ، فلو كانت للجبال قلوب كما للإنسان لخشعت وخشيت.
(٢) الدر المنثور ٦ : ٢٠١ ـ اخرج الخطيب البغدادي في تاريخه قال أنبأنا أبو نعيم الحافظ أنبأنا أبو الطيب محمد بن احمد بن يوسف أنبأنا إدريس بن عبد الكريم الحداد بإسناد عن النبي (ص) : ـ
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
