(فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) فلما نسي نفسه فسق عما يحق له وعليه ، وخرج عن طوره : (أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ينسيهم أنفسهم بما نسوه فنسيهم : (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٩ : ٦٧).
وليس نسيان الله لمن ينساه أن يجهلهم أو يغفل عنهم ، وإنما أن يعاملهم معاملة الناسي لرعيته فيذرهم في طغيانهم يعمهون وفي غيّهم يترددون ، ويكلهم إلى أنفسهم ، فهم إلى بوار يتردّون ، وإلى شر دار ينهارون ، وهذا هو اسّ البلاء الذي يخافه حتى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قائلا : (ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا).
إن البليّة كلها ، والرزيّة كلها أن يجهل الإنسان نفسه وينساها ، فيحسب فقره غنى ، وجهله علما ، وتعلقه بالله استقلالا بجنب الله ، إذ نسي أنه فقير الذات والصفات والأفعال إلى الله ، فهو يطغى أن رآه استغنى! وهذا هو الفسق المطلق : الخروج عن الطاعة ، لما أخطأ نفسه فخرج عن طوره.
(لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ) :
أصحاب النار هم الناسون الله فالناسون أنفسهم ، وأصحاب الجنة هم الذاكرون الله فالذاكرون أنفسهم ، نار النسيان وجنة الذكر ، فهل تستويان ، وإنما الفائزون : الظافرون بالخير مع حصول السلامة ، هم الذاكرون ، فذكر الله جنّة عن النار ، فجنّة ونعم القرار : (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ) (٣ : ١٨٥) ونسيانه نار وبئس القرار.
ليس بين الفريقين المتفارقين مفرق طريق ولا أنصاف حلول ، لا يلتقيان في أي مفرق ولا أية سمة أو خطة أو سياسة ، في أي من عوالم الوجود! (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) :
«لو» توحي باستحالة مدخوله حيث الجبل ما دام جبلا ليس ليعى القرآن ،
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
