بتقوى النظرة والرقابة لما تقدمه نفسه. فواجب الإنسان أن يقدم كل يوم لغده ، وكل غد لما بعده ، فيتخطى ـ هكذا ـ حياته الدنيا ، إلى غد الاخرى ، متبنيا صرح الحياتين دائبا «فمن ساوى يوماه فهو مغبون» مقدما من كل يوم لغده هنا ، ومن أيام الدنيا جميعا لغد الآخرة ، سلسلة تقدمية من حياة التقوى ليعيش مع الله حياته كلها ، وعلّ تثنية التقوى في الآية بدء وختما ، توحي بمفعول التقوى لغد الدنيا وغد الآخرة مهما كانت الاخرى هي الأحرى (١) ، وتشيران كذلك إلى تقوى العمل وتقوى المراقبة والمحاسبة كما وان تنكير «غد» يوحي بعدم اختصاصه بغد الآخرة.
__________________
(١) فبالنسبة لغد الآخرة يروى عن رسول الله (ص) قوله : «تصدقوا ولو بصاع من تمر ، ولو ببعض صاع ، ولو بقبضة ، ولو ببعض قبضة ، ولو بتمرة ، ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإن أحدكم لاقى الله فيقال له : ألم أفعل بك؟ ألم أفعل بك؟ ألم أجعلك سميعا بصيرا؟ ألم أجعل لك مالا وولدا؟ فيقول : بلى ، فيقول الله تبارك وتعالى : فانظر ما قدمت لنفسك ، قال : فينظر قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئا يقي به وجهه من النار(نور الثقلين ٥ : ٢٩٢) عن اصول الكافي بإسناده إلى أبي عبد الله (ع) قال : قال رسول الله (ص) وفي الدر المنثور ٦ : ٢٠١ ـ أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جرير قال : كنت جالسا عند رسول الله (ص) فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف ، ليس عليهم أزر ولا شيء غيرها ، عامتهم من مضر ، فلما رأى النبي (ص) الذي بهم من الجهد والعرى والجوع تغير وجه رسول الله (ص) ثم قام فدخل بيته ، ثم راح إلى المسجد فصلى الظهر ، ثم صعد منبره فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ذلكم فإن الله أنزل في كتابه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) ـ إلى قوله ـ (الْفائِزُونَ) تصدقوا قبل أن لا تصدقوا ، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة ، تصدق امرؤ من دينار ، تصدق امرؤ من درهمه ، تصدق امرؤ من بره من شعيرة من تمره ، لا يحقرن شيء من الصدقة ولو بشق التمرة ، فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه فناولها رسول الله (ص) وهو على منبره فعرف السرور في وجهه فقال : من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا فقام الناس فتفرقوا فمن ذي دينار ومن ذي درهم ومن ذي طعام ومن ذي ومن ذي فاجتمع فقسمه بينهم.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
