القرآنية ، فما يقاتلون إلا بتحصنات ومعدات حربية ، فإذا انكشفوا لحظة واحدة ولّوا الأدبار كالجرذان ، ومن ثم لم تكن نكسات المسلمين العرب إلا قدر انتكاساتهم عن الروح الايمانية وتفرقهم بينهم.
(بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) : قوتهم فيما بينهم شديد ، كما أن : بؤسهم بينهم شديد (١) ومن بؤسهم في بأسهم : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) فمظاهرهم تخدع إذ نراهم كأنهم متضامنون ، وفي معسكرات قوية متوحدة ، ولكنما الواقع خلاف الظاهر فإن (قُلُوبُهُمْ شَتَّى) لتشتت أهوائهم وأهدافهم ، فهم يقاتلون ما ظنوا أنهم يقتلون ويحتلون ، فإذا ظنوا أنهم يغلبون أو يقتلون يولون الأدبار ثم لا ينصرون خلاف المؤمنين الحقيقيين الذين هم جميع في قلوبهم ، فإنهم يرونهم منتصرين ، قاتلين ومقتولين فلا يوّلون.
فمهما انتصر الكفار في حربهم مع المؤمنين ، لم يكن ذلك إلا لتشابههم في قلوب شتى ، فتغلب من تزيد عدته وعدّته ، وإنما يظهر حق هذا النبأ القرآني فيما قلّت عدة المؤمنين وعدتهم ، أو تساوت مع الكافرين ، فانتصر المؤمنون ، كما في معارك عدّة ، ويعاكسه عكس الأمر أحيانا ، فيما كانت القلتان بجانب الكفار دون المسلمين فانتصر الكفار ، فليس إلا بتماسكهم بها اكثر من المسلمين ـ رغم شتاتهم جميعا ـ كما في الحروب الإسرائيلية الأخيرة ، اللهم إلا حرب رمضان ، إلا لمن رفضها عن دوامها حتى النصر.
(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) : فتشتت قلوب العساكر هو الحماقة الكبرى ، وعدم الاكتراس بالطاقات المعنوية مع العناية بالمعدات الحربية ، من عدم العقل.
(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ).
مثل هؤلاء الحماقى كمثل من قبلهم كالمشركين يوم بدر ، وكبني قينقاع
__________________
(١) بأسهم : على أنفسهم هو بؤسهم وعلى غيرهم هو قوتهم ، فالمعنيان هما هنا معنيان.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
