المكان والدار ، أو المكانة والإيمان ، ف (الإيمان بعضه من بعض وهو دار ، وكذلك الإسلام دار والكفر دار كما في الصادقي عليهم السلام (١).
فهؤلاء الأنصار تبوّءوا مكانا يناسب الإيمان ، عمّروهما وتهيئوا لاستقبال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والمهاجرين فيها ، مكانا تتساوى أجزاؤه لهم وللوافدين المهاجرين ، وهذه هي التبوئة الحقيقية العادلة ، فإن المهاجرين المضطهدين كانوا بحاجة إلى هكذا بواء الذي فيه كل رواع قلبا وقالبا ، بعد ما اضطهدوا ولاقوا ما لاقوا من الأذى طيلة المقام بمكة ، فإن أهلها كانوا يدمرون الدار والإيمان ، فهاجروا إلى من يعمرون الدار والإيمان ، لهم ولمن سواهم سواء ، يملكهم الحب في الله ويملكونه (وهل الدين إلا الحب؟) (٢).
(يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) حبا لهم واستقبالا عديم النظير في التأريخ ، فقد كانوا يتسابقون إلى إيوائهم ، واحتمال إعبائهم ، لحدّ كان المهاجرون يقترعون لأنفسهم لدور الأنصار ، إذ كانت مفتحة لهم الأبواب أكثر من الحاجة (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا) هم ، مهما كانوا محاويج في متطلبات عيشتهم ، ولا سيما مع الضيوف : الواردين ، ولكن نفوسهم الأبيّة ، وصدورهم المنشرحة ، لم تكن توجد فيها حاجة مما أوتوا من بلغة العيش رغم حاجتهم المدقعة اليه ، ولا حاجة مما أوتي المهاجرون من الفيء ، بل (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ) الفقراء المهاجرين (وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) : حاجة مدقعة ، والخصاصة في الأصل هي الفرجة ، وهم لم يكن لهم ما يسدّ فرج الحياة ، ورغم ذلك ، ومع حياتهم المعيشية المختلفة ، هؤلاء الأنصار المحاويج آثروا المهاجرين على أنفسهم مرتين : فيما أوتوا من الفيء ، وفي أموالهم الخاصة ، تشجيعا لجنود الهجرة ،
__________________
(١) الكافي بإسناده الى أبي عبد الله الصادق (ع) في حديث طويل يقول فيه : ...
(٢) محاسن البرقي بإسناده الى باقر العلوم (ع) في حديث : (الدين هو الحب والحب هو الدين) يعني الحب في الله.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
