وترغيبا للتضحية في سبيل الله ، والإيثار على النفس ، رغم شحّها أو حاجتها ، إنه القمة العليا من الإنفاق ، وقد بلغها الأنصار في تلك الظروف الصعبة الملتوية ، وكم من بون بينهم وبين من يؤثرون الحياة الدنيا وهم أغنياء : (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) (٨٧ : ١٦).
ولقد قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للأنصار : (إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم ، وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم ، فقالوا : لا ، بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة ، فأنزل الله (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ).
وهذه الآية تعمّ جميع الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، إلى يوم الدين ، دون اختصاص بمن نزلت في شأنهم من الأنصار وسواهم كما في أسباب التنزيل (١).
(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) : بخل نفسه وتضيّقها (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فإن شح النفس ، وهو الحالة الرديئة التي تبخل الإنسان في العطاء وتحرصه فيما بأيدي الناس (٢) ، إنه من اصول موانع الفلاح ، فواقعه يفلج وزواله يفلح ، وداؤه العضال حاضر الأنفس : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (٤ : ١٢٨) ، وحاضر الداء هو دوما حاضر البلاء ، إلا لمن توقى فوقاه الله (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وحينما يمدح الله تعالى من يوق شحّ نفسه ، بوقاية صاحبها وتأييد الله ، يندد
__________________
(١) التفسير الكبير للرازي ج ٢٩ : ٢٨٧ ، عن ابن عباس.
(٢) من لا يحضره الفقيه روى الفضل بن أبي قرة السمندي انه قال : قال لي ابو عبد الله أتدري من الشحيح؟ قلت : هو البخيل ، فقال : الشح أشد من البخل ، إن البخيل يبخل بما في يده والشحيح يشح بما في أيدي الناس وعلى ما في يده حتى لا يرى في أيدي الناس شيئا إلا تمنى أن يكون له بالحل والحرام ، ولا يقنع بما رزقه الله.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
