أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ) : من وظائفهم وأشغالهم ومصالحهم وأموالهم ، تركوها كلها حفاظا على شريعة الله بدافع الإيمان بالله (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً) لا يبتغون من غيره جزاء ولا شكورا ، وإنما (فَضْلاً مِنَ اللهِ) أن يعيد إليهم مسكة الحياة الدنيوية ، (وَرِضْواناً) وهو الأصل فيما يبتغون ، (وَيَنْصُرُونَ اللهَ) بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الحالات ، لا ملجأ لهم سواه ، ولا جناب لهم إلا حماه (وَرَسُولَهُ) حيث يتبعونه فيما يفعل أو يقول ، دون تحرّج مما قضى (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) في إيمانهم دون شائبة ولا عائبة.
فهؤلاء الكرام لهم نصيب من الفيء ، للفقر والإيمان والجهاد ، وهم أفضل من يستحقون الفيء ، وكذلك من بوّء لهم دار الهجرة ، بواء المكانة والمكان قبل أن يهاجروا :
(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) :
(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ) : دار الهجرة ، المدينة المنورة ، فإنها من أسمائها العشرة كما يروى عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم (١) (وَالْإِيمانَ) تبوّءا لهما على سواء ، فكما يطمئن الإنسان إلى داره ، اطمأن هؤلاء الأماجد إلى إيمانهم الرصين الحصين واستوطنوه ، وطنا أليفا أمينا للروح ، كما الدار مأمن للجسم.
فالتبوّء من البواء : مساواة الأجزاء في المكان ، خلاف النبوة وهي منافاة الأجزاء ، فالتبوّء هو التكلف في البواء للراحة والطمأنينة ، سواء أكان بواء في
__________________
(١) الدر المنثور ٦ : ١٩٥ ـ أخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم قال قال رسول الله (ص) : (للمدينة عشرة أسماء هي : المدينة وهي طيبة وطابة ومسكينة وجابرة ومجبورة وتبدد ويثرب والدار).
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
